مؤشر التجزئة: التجزئة بين الادخار والتمويل.. كيف يوازن «التجاري وفا ايجيبت» بين بناء السيولة والتوسع الائتماني في الربع الأول 2026؟
شيماء ناصر
عند قراءة نتائج قطاع التجزئة المصرفية في «التجاري وفا ايجيبت» خلال الربع الأول من 2026، قد يبدو للوهلة الأولى أن البنك واصل التوسع في نشاط التجزئة المصرفية بصورة تقليدية، إلا أن قراءة أكثر عمقًا تكشف اختلافًا واضحًا في محركات النمو داخل القطاع.
فبدلاً من ملاحقة التوسع السريع في الإقراض، اتجه البنك إلى إعادة بناء قاعدة التمويل من الداخل، عبر تعزيز المدخرات وتحسين هيكلها، بما يخلق مساحة أكبر للنمو الائتماني في المراحل المقبلة دون الضغط على السيولة.
وتوضح البيانات أن ودائع الأفراد ارتفعت إلى 49.14 مليار جنيه بنهاية مارس 2026، مقارنة مع 44.86 مليار جنيه بنهاية 2025، بزيادة بلغت 4.28 مليار جنيه، وبمعدل نمو 9.5% خلال ثلاثة أشهر فقط، بينما لم تتجاوز الزيادة في قروض الأفراد 565 مليون جنيه لترتفع من 13.18 مليار جنيه بنهاية 2025 إلى 13.74 مليار جنيه بنهاية مارس 2026 بنمو 4.3%.
لكن القيمة الحقيقية لا تكمن في حجم الزيادة، وإنما في جودة الأموال التي نجح البنك في جذبها،فاللافت أن النمو لم يكن مدفوعًا بالحسابات الجارية، التي غالبًا ما تكون أكثر تقلبًا، بل جاء من الودائع الأطول عمرًا.
فقد قفزت الودائع لأجل بنسبة 16.6% لتصل إلى 37.34 مليار جنيه بنهاية مارس 2026، كما ارتفعت ودائع التوفير بنسبة 14.2% إلى 7.38 مليار جنيه بنهاية نفس الفترة، بينما سجلت الحسابات الجارية نموًا أكثر هدوءًا بلغ 5.9%، في حين استقرت شهادات الادخار تقريبًا عند مستوياتها السابقة بنمو محدود بلغ 0.8%.
وهذا التوزيع لا يعكس فقط نجاحًا في جذب السيولة، وإنما يشير إلى نجاح البنك في تحسين هيكل التمويل نفسه، لأن الأموال الأطول أجلًا تمنح الإدارة قدرة أكبر على التخطيط، وتقلل مخاطر إعادة التسعير، وترفع مرونة إدارة السيولة.
وفي المقابل، لم يكن النمو الائتماني عشوائيًا، بل اتسم بقدر واضح من الانتقائية، فقد ارتفعت القروض المباشرة للأفراد إلى 11.13 مليار جنيه بنهاية مارس 2026 مقابل 10.80 مليارجنيه بنهاية 2025 بنمو 3%، بينما تراجعت القروض المشتركة إلى 1.20 مليار جنيه بنهاية مارس 2026 مقارنة مع 1.39 مليار جنيه بنهاية 2025، ويشير ذلك إلى أن البنك لا يوسع محفظة التجزئة بأي ثمن، بل يعيد توجيهها نحو المنتجات التي تمنحه تحكمًا أكبر في التسعير وإدارة المخاطر وبناء علاقة مباشرة مع العميل، وهي استراتيجية ترتبط عادة بتحسين جودة المحفظة أكثر من مجرد زيادة حجمها.
ومن زاوية أخرى، تكشف البيانات أن ودائع الأفراد تعادل نحو 3.6 مرة حجم قروض الأفراد، أو بعبارة أخرى فإن كل 100 جنيه يحتفظ بها العملاء الأفراد لدى البنك يقابلها نحو 28 جنيهًا فقط في صورة تمويلات.
وتشير هذه المؤشرات إلى أن التجاري وفا ايجيبت يتبنى نهجًا مختلفًا في إدارة قطاع التجزئة، يقوم على تعظيم القيمة الاقتصادية لقاعدة العملاء قبل تعظيم حجم التمويلات، فالتوسع السريع في الإقراض لا يمثل الهدف الوحيد، وإنما يأتي ضمن دورة أوسع تبدأ ببناء قاعدة قوية من المدخرات، ثم تعميق العلاقة المصرفية مع العميل عبر استخدام منتجات متعددة، وصولًا إلى التوسع في التمويلات عندما تتوافر أفضل فرص النمو والعائد.
لذلك، فإن تفوق نمو ودائع الأفراد على نمو التمويلات لا يعكس بالضرورة تباطؤًا في النشاط الائتماني، بقدر ما يشير إلى أن البنك يركز خلال المرحلة الحالية على تعزيز كفاءة قطاع التجزئة وبناء قاعدة تمويل تمنحه مرونة أكبر للتوسع المستقبلي.
لذلك، فإن تقييم أداء قطاع التجزئة في التجاري وفا ايجيبت خلال الربع الأول من 2026 لا ينبغي أن يقتصر على مقارنة نمو الودائع بالقروض، وإنما على قراءة كفاءة النمو،فالبنك لم يضف 4.28 مليار جنيه من ودائع الأفراد فحسب، بل نجح في تحسين جودة مصادر التمويل، ووجّه التوسع الائتماني نحو المنتجات المباشرة، واحتفظ في الوقت نفسه بقدرة كبيرة على زيادة الإقراض مستقبلًا دون ضغوط تمويلية.
وبذلك، يبدو أن التجاري وفا ايجيبت لا يخوض سباقًا على تحقيق أعلى معدل نمو في التجزئة، وإنما يبني نموذجًا أكثر استدامة، تكون فيه جودة مصادر التمويل وكفاءة توظيفها أهم من مجرد تضخم حجم المحفظة.






