«First Advice»: مخاطر التضخم وضغوط العملة تعزز فرص تثبيت «الفائدة» في اجتماع لجنة السياسة النقدية الخميس المقبل
تفرض التطورات الاقتصادية العالمية والإقليمية حالة من عدم اليقين على صانعي السياسات النقدية، في ظل استمرار التوترات الجيوسياسية وتعدد بؤر الصراع، وما يصاحبها من مخاطر على أسواق الطاقة والسلع الأساسية وتدفقات التجارة ورؤوس الأموال.
وتكتسب هذه التطورات أهمية خاصة بالنسبة للاقتصاد المصري، نظرًا لانعكاساتها المحتملة على تكلفة الواردات والطلب على النقد الأجنبي، فضلًا عن تأثيرها في مسار التضخم.
وفي هذا السياق، يواجه البنك المركزي المصري في اجتماعه المقرر عقده الخميس المقبل تحديًا يتعلق بمدى ملاءمة موقفه النقدي الحالي للتعامل مع المخاطر المحيطة بمسار الأسعار، في ظل الضغوط على سعر الصرف.
وتزيد هذه التطورات من صعوبة التنبؤ بمسار الأسعار، حيث قد تؤدي أي موجة جديدة من ارتفاع أسعار البترول والسلع الأساسية إلى زيادة تكاليف الإنتاج والنقل والاستيراد، بما يستدعي متابعة أثرها المحتمل على التضخم المحلي.
ويظل التضخم العامل الرئيسي في تحديد مساحة التحرك أمام البنك المركزي، ووفقًا لتقرير السياسة النقدية المنشور في أغسطس الماضي، توقع البنك أن يبلغ متوسط التضخم العام 16.6% خلال السنة المالية 2026/2027، و8.1% خلال السنة المالية 2027/2028، وفق السيناريو الأساسي.
كما عرض البنك سيناريوهين بديلين يرتبطان بتطور التوترات الإقليمية؛ حيث توقع أن يبلغ متوسط التضخم 15.2% و7.7% خلال العامين الماليين على التوالي في سيناريو انحسار التصعيد، مقابل 17.8% و8.3% في سيناريو تصاعد التوترات.
ويستهدف البنك المركزي أن يبلغ متوسط معدل التضخم السنوي خلال الربع الرابع من 2026 نحو 7% (±2 نقطة مئوية).
إلا أنه أشار إلى توقع تجاوز التضخم هذا النطاق خلال الربع المذكور، قبل أن يقترب منه خلال النصف الثاني من 2027، بما يعزز أهمية الحذر في إدارة السياسة النقدية ومتابعة المخاطر التي قد تؤثر في المسار المتوقع للأسعار.
وتدعم بيانات سبتمبر هذا التوجه الحذر؛ حيث انخفض معدل التضخم السنوي الأساسي إلى 14.1% في سبتمبر، مقابل 14.9% في أغسطس، كما انخفض معدل التضخم السنوي العام في الحضر إلى 13.9%، مقابل 14.5% خلال الفترة نفسها.
وتزداد أهمية هذه المقارنة عند النظر إلى مستويات نهاية عام 2025، حين سجل التضخم السنوي العام 12.3%، والأساسي 11.8%، بما يشير إلى أن المعدلات السنوية الحالية لا تزال أعلى من مستوياتها آنذاك.
ومن ثم، فإن انخفاض التضخم السنوي في سبتمبر يمثل تحسنًا مقارنة بأغسطس، لكنه لا يكفي وحده للحكم على انحسار الضغوط السعرية بصورة مستدامة، خاصة في ظل استمرار المخاطر المرتبطة بأسعار الطاقة وسوق الصرف.
وفي المقابل، يوفر قرار لجنة التسعير التلقائي للمنتجات البترولية الإبقاء على أسعار الوقود دون تغيير عاملًا مساعدًا في الحد من الضغوط التضخمية المرتبطة بتكاليف النقل والإنتاج، إلا أن أثر القرار يظل مرتبطًا بمدى استقرار بقية عناصر التكلفة، خاصة المكونات المستوردة، التي قد تتأثر بالتطورات الجيوسياسية وحركة سعر الصرف.
وتبرز سوق الصرف باعتبارها أحد أهم مصادر المخاطر على مسار التضخم، في ظل ارتباط تكلفة جانب من الواردات المصرية بحركة الدولار.
ووفقًا للبنك المركزي، ارتفع سعر الدولار من 47.73 جنيه بنهاية عام 2025 إلى 56.33 جنيه بنهاية تعاملات أمس الإثنين (وهو الأعلى في تاريخه)، بما يعادل زيادة تقارب 18% في سعر الدولار بالجنيه، وانخفاضًا بنحو 15.3% في قيمة الجنيه أمام العملة الأمريكية.
وقد يؤدي استمرار ارتفاع سعر الدولار إلى زيادة تكلفة الواردات وانتقال جزء من هذه الزيادة تدريجيًا إلى أسعار السلع والخدمات، بما يحد من أثر التحسن المحقق في معدل التضخم السنوي.
وعلى صعيد المؤشرات الخارجية، بلغ صافي الأصول الأجنبية لدى القطاع المصرفي المصري، شاملًا البنك المركزي والبنوك، نحو 31.2 مليار دولار بنهاية أغسطس 2026، فيما سجل صافي الاحتياطيات الدولية لدى البنك المركزي نحو 57.35 مليار دولار بنهاية سبتمبر من العام نفسه.
وفي الوقت نفسه، تكشف بيانات المعروض النقدي، عن ارتفاعه بنسبة 19.4% خلال الأشهر الثمانية الأولى من عام 2026، ليصل إلى نحو 4.53 تريليون جنيه بنهاية أغسطس، مقابل نحو 3.80 تريليون جنيه بنهاية عام 2025.
وعلى المستوى الشهري، سجل المعروض النقدي نموًا بنسبة 3.3% في يناير، و2.1% في فبراير، و4.68% في مارس، و2.70% في أبريل، و4.65% في مايو، قبل أن ينخفض بنحو 0.2% في يونيو و0.1% في يوليو، قبل أن يعاود الارتفاع بنسبة 1% في أغسطس.
وبغض النظر عن تذبذب معدلات النمو الشهرية، فإن ارتفاع المعروض النقدي بنسبة 19.4% خلال الأشهر الثمانية الأولى من 2026 يعكس استمرار نموه بوتيرة ملحوظة، بما قد يبقي الضغوط التضخمية قائمة إذا تجاوز نموه وتيرة التوسع في النشاط الاقتصادي الحقيقي.
وفيما يتعلق باستثمارات الأجانب في أدوات الدين، سجل المستثمرون الأجانب صافي مبيعات من السندات والأذون بالسوق الثانوية بنحو 115.01 مليار جنيه خلال الأسبوع الماضي، بما يعادل نحو 2.1 مليار دولار.
ويشكل هذا التطور عاملًا يستحق المتابعة في ضوء احتمالات انعكاسه على تدفقات النقد الأجنبي وسوق الصرف، لكنه لا يعني بالضرورة خروج القيمة بالكامل من البلاد، ولا يثبت وحده اتجاهًا مستدامًا في حركة الاستثمارات الأجنبية.
وفي المقابل، لا تزال عوائد أدوات الدين المحلية مرتفعة؛ حيث سجل متوسط العائد المرجح على العروض المقبولة لأذون الخزانة لأجل 364 يومًا نحو 25.91% في عطاء 22 أكتوبر 2026، وفقًا لبيانات البنك المركزي المصري.
ويعزز هذا المستوى جاذبية العائد الاسمي على الأدوات الحكومية، إلا أن قرارات المستثمرين تتأثر أيضًا بتوقعات سعر الصرف والتضخم والمخاطر المرتبطة بالاستثمار.
ومن ثم، فإن ارتفاع العائد لا يلغي احتمالات تحرك التدفقات الأجنبية في الاتجاهين، كما لا يمثل بمفرده مبررًا كافيًا لتعديل أسعار الفائدة.
وفي ضوء هذه المعطيات، يبدو تثبيت أسعار الفائدة الخيار الأرجح أمام لجنة السياسة النقدية، حيث قد يكون خفضها سابقًا لأوانه في ظل احتمال انتقال ارتفاع أسعار الطاقة وسعر الصرف إلى أسعار السلع والخدمات وتوقعات التضخم، بينما لا تستدعي المؤشرات الحالية بالضرورة تشديدًا إضافيًا.
ويتيح التثبيت للبنك المركزي التريث لتقييم مدى استدامة انخفاض التضخم ومتابعة تطورات سوق الصرف والمعروض النقدي والتدفقات الأجنبية، مع مراعاة أثر السياسة النقدية على النشاط الاقتصادي خلال الفترة المقبلة.












