تراجع كبير في المؤشرات الرئيسية..

هل الإعلان عن صفقة بيع أعمال الأفراد في «HSBC– Egypt» وراء هبوط أداء البنك في الربع الثاني من 2026؟!

FirstBank

كشفت مجموعة HSBC العالمية في نوفمبر الماضي، عن بدء مراجعة استراتيجية شاملة لأنشطة التجزئة المصرفية في مصر، ضمن خطة إعادة هيكلة أوسع تستهدف تركيز أعمال المجموعة بصورة أكبر على تمويل الشركات والخدمات المصرفية الموجهة للمؤسسات.

وفي أغسطس الماضي، انتقلت هذه المراجعة من مستوى التوجه الاستراتيجي إلى خطوة عملية، بعدما أعلن بنك الإمارات دبي الوطني – مصر إبرام اتفاقيات نهائية للاستحواذ على أعمال الخدمات المصرفية للأفراد التابعة لـ«HSBC– Egypt»، في صفقة تمثل أحد أبرز التحولات التي شهدها نشاط البنك في السوق المصرية خلال الفترة الأخيرة.

 وتشمل الصفقة محفظة التجزئة وشبكة الفروع وأجهزة الصراف الآلي وقاعدة العملاء والموظفين المرتبطين بهذا النشاط، فيما لا تشمل أنشطة الخدمات المصرفية للشركات والمؤسسات لدى HSBC مصر.

وهنا تبرز أهمية الصفقة باعتبارها أكثر من مجرد انتقال لمحفظة عملاء التجزئة من بنك إلى آخر؛ فهي تأتي في توقيت يعيد فيه HSBC تحديد موقعه داخل السوق المصرية، وما إذا كان المستقبل الذي تصوغه المجموعة لأعمالها في مصر سيقوم بصورة أكبر على الخدمات المصرفية للأفراد، أم على القطاعات التي اختارت المجموعة أن تركز عليها، وفي مقدمتها الخدمات المصرفية للشركات والمؤسسات.

ومن هذه الزاوية، تبدو قراءة نتائج أعمال HSBC مصر خلال النصف الأول من 2026 أكثر دلالة، خصوصًا أن مسار الأداء لم يكن متجانسًا بين الربعين الأول والثاني؛ حيث شهد البنك توسعًا قويًا في عدد من المؤشرات خلال الربع الأول، قبل أن ينقلب الاتجاه بصورة واضحة خلال الربع الثاني.

ووفقًا للقوائم المالية المستقلة للبنك، ارتفعت أصول HSBC مصر بنحو 18% خلال الربع الأول من 2026، إلا أنها تراجعت بنحو 14.2% خلال الربع الثاني، لتصل إلى 356.84 مليار جنيه بنهاية يونيو 2026.

وتكرر النمط ذاته في ودائع العملاء، التي قفزت بنحو 21.3% خلال الربع الأول، قبل أن تنكمش بنحو 14.7% خلال الربع الثاني، لتصل إلى275.29  مليار جنيه بنهاية يونيو.

كما ارتفع إجمالي تمويلات العملاء بنحو 7.2% خلال الربع الأول، لكنه تراجع بنحو 2.6% خلال الربع الثاني، مسجلًا 61.95 مليار جنيه بنهاية يونيو الماضي.

ولا يبدو هذا التحول مقتصرًا على أحد جانبي الميزانية، إذ ظهر في كل من نشاط الأفراد والمؤسسات، وإن اتخذ اتجاهات مختلفة بين المحافظ التمويلية والودائع.

فعلى مستوى التجزئة المصرفية، تراجعت محفظة تمويلات الأفراد بنحو 0.5% خلال الربع الأول من 2026، قبل أن ترتفع بنحو 3.1% خلال الربع الثاني، لتصل إلى 19.47 مليار جنيه بنهاية يونيو.

وفي المقابل، ارتفعت ودائع الأفراد بنحو 16.3% خلال الربع الأول، ثم تراجعت بنحو 5.6% خلال الربع الثاني، لتصل إلى 134.82 مليار جنيه بنهاية النصف الأول من العام.

أما قطاع المؤسسات، فقد سجل بدوره نموًا لافتًا في بداية العام، حيث ارتفعت محفظة تمويلات المؤسسات، شاملة القروض الصغيرة للأنشطة الاقتصادية، بنحو 10.8% خلال الربع الأول، قبل أن تتراجع بنحو 5% خلال الربع الثاني، لتصل إلى 42.49 مليار جنيه بنهاية يونيو.

وكان التحول أكثر وضوحًا في ودائع المؤسسات، التي ارتفعت بنحو 25.6% خلال الربع الأول، ثم انخفضت بنحو 22% خلال الربع الثاني، مسجلة 140.47 مليار جنيه بنهاية يونيو.

وتضع هذه الأرقام أداء HSBC مصر أمام مفارقة لافتة؛ فالبنك بدأ 2026 بزخم واضح في مؤشراته، لكنه لم يحافظ على الاتجاه نفسه خلال الربع التالي، بما يجعل النصف الأول من العام يبدو أقل ارتباطًا بمسار نمو متصل، وأكثر تعبيرًا عن مرحلة تتغير فيها حركة الميزانية بصورة ملحوظة.

ولا تكفي أرقام النصف الأول وحدها للجزم بأن التراجع الذي شهده البنك خلال الربع الثاني يرتبط بإعادة هيكلة نشاط التجزئة أو بالصفقة المعلنة مع بنك الإمارات دبي الوطني – مصر، خصوصًا أن إتمام الصفقة لم يتم بعد، وأن حركة المحافظ المالية تظل رهينة بعوامل متعددة.

لكن في المقابل، يصعب النظر إلى هذه التطورات بمعزل عن التحول الاستراتيجي الذي بدأ HSBC في رسمه لأعماله في مصر؛ فالتخارج من التجزئة قد لا يكون تعبيرًا عن تراجع الثقة في العلامة التجارية بقدر ما قد يكون إعادة تعريف للدور الذي تريد المجموعة أن تلعبه داخل السوق، من بنك يخاطب الأفراد والمؤسسات معًا، إلى مؤسسة أكثر تركيزًا على الشركات والخدمات المصرفية المؤسسية.

ومن هذه الزاوية، تبدو صفقة الاستحواذ أبعد من كونها انتقالًا لمحفظة تجزئة من بنك إلى آخر؛ فهي تعيد توزيع مساحة النشاط داخل السوق، إذ تنتقل الأعمال التي قرر HSBC التخلي عنها إلى بنك آخر يسعى إلى توسيع حضوره، بينما يحتفظ HSBC بالأنشطة التي تتوافق بصورة أكبر مع توجهه الجديد.

لذلك، فإن السؤال الحقيقي لا يبدو متعلقًا ببقاء HSBC في مصر من عدمه، وإنما بشكل هذا البقاء وحجمه ومصادر نموه، فالصفقة لا تكفي وحدها للقول إن العلامة التجارية فقدت زخمها، كما لا تكفي أرقام الربع الثاني للقول إن البنك دخل مسارًا انكماشيًا؛ وإنما تضع الطرفين أمام مرحلة جديدة ستكشفها طريقة إعادة بناء الميزانية بعد اكتمال الصفقة.

وهنا تحديدًا تكتسب أرقام الفترة المقبلة أهميتها؛ فإذا تحولت الموارد التي يحتفظ بها HSBC إلى قاعدة أكثر تركيزًا على تمويل الشركات والمؤسسات، فقد يكون ما نشهده الآن إعادة تشكيل لنموذج الأعمال أكثر منه انكماشًا في السوق المصري.

أما إذا استمر التراجع في مؤشرات النشاط، عندها ستصبح قراءة التحول باعتباره مجرد إعادة تموضع أقل اتساقًا مع مسار الأرقام.