يستمر الذهب في أداء دوره كملاذ آمن في ظل ارتفاع درجة عدم اليقين العالمي المرتبط بتباطؤ النمو الاقتصادي وارتفاع

FirstBank فرست بنك موقع فرست بنك فيرست بنك first bank



«First Bank» يحلل : أداء الذهب في 2026 .. توهج عالمي يدعمه نيران الحرب

FirstBank

شهدت أسعار الذهب عالميًا موجة صعود قوية خلال الفترة 2023 – 2025، إذ ارتفع سعر الأونصة من نحو 1800 دولار للأونصة خلال 2023، إلى ما يقرب من 4300 – 4500 دولار للأونصة بنهاية 2025، مسجلًا مستويات تاريخية جديدة مدعومًا بتزايد الطلب الاستثماري وارتفاع مشتريات البنوك المركزية، إلى جانب تزايد توقعات خفض أسعار الفائدة الأمريكية،واستمرار حالة عدم اليقين الجيوسياسي عالميًا.

ويمثل ذلك نموًا تراكميًا يقترب من 137% خلال عامين، وهو ما يعكس تحول الذهب من مجرد أداة تحوط قصيرة الأجل إلى اتجاه صاعد ممتد مدفوع بعوامل هيكلية.

أما محليًا، فقد تسارعت وتيرة الارتفاع نتيجة عامل سعر الصرف، إذ ارتفع سعر جرام الذهب عيار 24 في السوق المصري من مستويات تقارب 1900 6700 جنيه خلال فترة 2023– 2025 بزيادة تجاوزت 250%، وهي نسبة تفوق الارتفاع العالمي، بما يؤكد أن حركة الذهب في مصر أصبحت مرتبطة بشكل وثيق بتحركات سعر الدولار مقابل الجنيه إلى جانب الاتجاه العالمي.

تشير حركة سوق الذهب إلى استمرار الاتجاه الصاعد عالميًا في 2026، فقد جاءت الارتفاعات الأخيرة امتدادًا لمسار تصاعدي ممتد منذ عامين، حيث سجلت خلاله الأونصة مستوى تاريخيًا قرب 5600 دولار بنهاية يناير 2026، ما يعزز احتمالات استمرار الصعود بوتيرة أكثر حدة خلال الفترة المقبلة.

تُعد أسعار الفائدة الأمريكية العامل الأكثر تأثيرًا في اتجاه الذهب عالميًا، نظرًا للعلاقة العكسية بينهما. فالذهب أصل لا يدر عائدًا، وبالتالي يؤدي ارتفاع العائد على أدوات الدين الأمريكية إلى تقليل جاذبيته الاستثمارية، بينما يؤدي خفض الفائدة إلى زيادة الطلب عليه. وتشير التوقعات إلى استكمال دورة التيسير النقدي خلال 2026، وهو ما يدعم انتقال السيولة تدريجيًا من السندات إلى الأصول التحوطية وعلى رأسها الذهب.

إلا أن تحركات الذهب خلال الفترة الأخيرة لم تعد مرتبطة بالسياسة النقدية فقط، حيث ساهمت التوترات الجيوسياسية وتزايد الاتجاه العالمي لتنويع الاحتياطيات بعيدًا عن الدولار في خلق طلب رسمي متنامٍ على الذهب، خاصة من جانب البنوك المركزية. ويعزز ذلك من استمرار الاتجاه الصاعد، حتى في الفترات التي لا يشهد فيها الدولار ضعفًا واضحًا.

وبذلك لم يعد الذهب مجرد أداة تحوط ضد التضخم أو تحركات أسعار الفائدة، بل أصبح يعكس أيضًا تحولات في هيكل النظام النقدي العالمي واتباع سياسات تنويع الاحتياطيات وتقليل الاعتماد على الدولار كأصل احتياطي وحيد.

وقد أدى هذا التحول إلى خلق طلب هيكلي طويل الأجل على الذهب، ما يحد من احتمالات الهبوط الحاد ويعزز الاتجاه الصاعد على المدى المتوسط.

يستمر الذهب في أداء دوره كملاذ آمن في ظل ارتفاع درجة عدم اليقين العالمي المرتبط بتباطؤ النمو الاقتصادي، وارتفاع مستويات الدين الحكومي عالميًا، والتوترات الجيوسياسية. ومع تزايد تلك المخاطر، يتجه المستثمرون والمؤسسات المالية إلى زيادة المخصصات الاستثمارية في الذهب كأداة تحوط ضد تقلبات الأسواق المالية.

شهدت أسعار الذهب تفاعلًا سريعًا مع تصاعد التوترات العسكرية بين الولايات المتحدة وإيران، إذ ارتفعت في المراحل الأولى من اندلاع الصراع مدفوعة بزيادة الطلب على الأصول الآمنة. وقد سجلت الأونصة عالميًا مستوى يقارب 5400 دولار في بداية مارس 2026، بينما صعد سعر جرام الذهب عيار 24 في السوق المصرية إلى نحو 8500 جنيه خلال الفترة نفسها.

إلا أن هذا الارتفاع لم يستمر لفترة طويلة، إذ تراجعت الأسعار نسبيًا مع اتجاه المستثمرين إلى جني الأرباح وتراجع المخاوف من اتساع نطاق المواجهة، ليستقر سعر الذهب عالميًا قرب 5100 دولار للأونصة خلال 9 مارس 2026.

وعلى الرغم من هذا التراجع عالميًا، فقد ظلت الأسعار المحلية مدعومة بارتفاع سعر صرف الدولار مقابل الجنيه، والذي ارتفع خلال الفترة نفسها من نحو 48 جنيهًا إلى قرابة 53 جنيهًا للدولار، ما حدّ من انعكاس التراجع العالمي على أسعار الذهب في السوق المصرية.

ويعكس هذا السلوك النمط المعتاد لتحركات الذهب خلال الأزمات الجيوسياسية، حيث تشهد الأسعار عادة قفزة أولية مدفوعة بعوامل نفسية وتحوطية قبل أن تعود إلى مستويات أكثر استقرارًا مع إعادة تقييم الأسواق لحجم المخاطر الفعلية.

في ضوء العوامل السابقة، تُرجّح التقديرات استمرار الاتجاه الصاعد للذهب خلال 2026، مع احتمالات تسجيل قمم تاريخية جديدة قد تتراوح بين 6000 6300 دولار للأونصة بنهاية العام وفقًا للتقديرات المستقبلية.

على عكس الأسواق المتقدمة، لا يتحرك الذهب في مصر وفق السعر العالمي فقط، بل يعتمد بشكل أساسي على سعر صرف الدولار مقابل الجنيه، حيث يتم تسعير الذهب محليًا بعد تحويل سعر الأونصة العالمية إلى الجنيه المصري. لذلك فإن أي تغير في سعر الصرف ينعكس مباشرة على أسعار الذهب المحلية، حتى في حال استقرار السعر العالمي.

وبالتالي، فإن الذهب في السوق المصرية يمثل أداة تحوط مزدوجة: تحوطًا ضد التضخم العالمي، وتحوطًا محليًا ضد انخفاض القوة الشرائية للجنيه.

مع افتراض استمرار الضغوط على العملة المحلية وتحرك تدريجي في سعر الصرف، فمن المتوقع أن يسجل الذهب محليًا معدلات ارتفاع تفوق نظيرتها العالمية، حيث ينعكس كل من ارتفاع الأونصة عالميًا وانخفاض الجنيه في اتجاه واحد على السعر النهائي للمعدن.

في حال تحسن تدفقات النقد الأجنبي واستقرار سوق الصرف، ستتحرك أسعار الذهب محليًا بالتوازي مع السعر العالمي فقط. ويظل هذا السيناريو الأكثر رغبة وفي حال تحققه قد يؤدي إلى تباطؤ ارتفاع الذهب رغم الاتجاه العالمي الصاعد.

تشير المؤشرات إلى أن الذهب خلال 2026 سيظل أحد أهم الأصول التحوطية عالميًا، مدعومًا بالتحول المتوقع في السياسة النقدية العالمية وزيادة الطلب الرسمي عليه. أما في مصر، فإن حركة الذهب ستكون أكثر حساسية لسعر الصرف من السعر العالمي، ما يجعل الاستثمار فيه مرتبطًا بشكل أساسي بتوقعات العملة المحلية. وعليه، فإن أي ارتفاع عالمي معتدل في الذهب قد يتحول محليًا إلى زيادة أكبر نتيجة أثر سعر الصرف.