السوق المصرفي المصري... كيف تحول إلى وجهة جاذبة للبنوك الإسلامية العالمية الكبرى؟
شيماء ناصر
انطلقت الصيرفة الإسلامية في السوق المصرفي المصري كفكرة محدودة النطاق، قبل أن تتحول تدريجيًا إلى أحد المكونات الفاعلة داخل النظام المصرفي المصري، مدفوعة بتغيرات اقتصادية وتزايد الطلب على الخدمات المالية المتوافقة مع الشريعة الإسلامية، إلى جانب تطور البيئة التشريعية المنظمة للقطاع.
وتعود البدايات الفعلية للصيرفة الإسلامية في مصر إلى تأسيس بنك فيصل الإسلامي المصري عام 1977، وبدء نشاطه الفعلي عام 1979، والذي يُعد أول بنك إسلامي في مصر، حيث لعب دورًا محوريًا في إدخال مفهوم العمل المصرفي القائم على تجنب الفائدة، واستبدالها بصيغ تمويلية مثل المرابحة والمشاركة .
وقد واجه هذا النموذج في مراحله الأولى تحديات واضحة، تمثلت في محدودية الوعي المجتمعي بالصيرفة الإسلامية، إلى جانب حداثة التجربة داخل بيئة مصرفية كانت تعتمد بشكل كامل على الأدوات التقليدية.
ومع تراكم التجربة وتوسع قاعدة المتعاملين، بدأت الصيرفة الإسلامية في اكتساب حضور أكثر رسوخًا داخل السوق، حيث لم يعد الأمر مقتصرًا على كونها بديلًا محدود الانتشار، بل أصبحت خيارًا مصرفيًا قائمًا بحد ذاته، مدعومًا بتطور ملحوظ في المنتجات المالية التي توسعت لتشمل تمويل الأفراد إلى جانب الشركات والمشروعات، بما يعكس اتساع نطاق هذا النشاط داخل المنظومة المصرفية.
ومع وصول الصيرفة الإسلامية في مصر إلى مرحلة من النضج النسبي، بدأت ملامح تحول استراتيجي أكثر وضوحًا في الظهور، تمثل في تصاعد اهتمام البنوك الإسلامية العالمية الكبرى بالتوسع داخل السوق المصري باعتباره أحد أبرز الأسواق الواعدة في هذا المجال، في ظل تنامي الطلب على الخدمات المالية المتوافقة مع الشريعة واتساع فرص النمو داخل القطاع، وهو ما يعكس بوضوح تنامي جاذبية السوق المصرفي المصري وقدرته على استقطاب مؤسسات مالية إقليمية ودولية كبرى.
حيث يُعد بنك البركة من أوائل المؤسسات التي رسّخت وجودها داخل السوق المصري، إذ بدأ نشاطه في السوق المصري منذ عام 1980، مستفيدًا من ديناميكية السوق المحلي واتساع الطلب على المنتجات المصرفية الإسلامية، بما يعكس مبكرًا جاذبية السوق وقدرته على استيعاب هذا النموذج المصرفي، لا سيما أنه يُصنف في المركز الرابع عشر عالميًا وفقًا لقائمة «First Bank» لأكبر 20 بنكًا إسلاميًا في العالم.
وفي مرحلة لاحقة، جاء دخول مصرف أبو ظبي الإسلامي إلى السوق المصري عام 2007، حيث رسّخ حضوره ضمن استراتيجية توسعية تستهدف الأسواق ذات الطلب المتزايد على الخدمات المصرفية الإسلامية، وهو ما يعكس المكانة المتقدمة التي يحتلها السوق المصري ضمن خطط التوسع الإقليمي والدولي لهذه المؤسسات، خاصة أنه يُصنف كخامس أكبر بنك إسلامي عالميًا وفقًا لقائمة «First Bank» لأكبر 20 بنكًا إسلاميًا في العالم.
وتلاه دخول بيت التمويل الكويتي إلى السوق المصري عام 2023 ليعزز توجهه نحو التوسع في الأسواق الواعدة، لا سيما أنه يُصنف كثاني أكبر بنك إسلامي عالميًا وفقًا لقائمة «First Bank» لأكبر 20 بنك إسلامي في العالم، وهو ما يعكس إدراكه لأهمية السوق المصري كوجهة للنمو المستدام.
وفي ضوء هذه التحركات، يتضح أن السوق المصرفي المصري لم يعد مجرد ساحة تشغيل إقليمية، بل تحول إلى بيئة جاذبة مؤثرة في قرارات التوسع للبنوك الإسلامية الكبرى، مدفوعًا بفرص نمو حقيقية وتزايد الطلب على الخدمات المالية المتوافقة مع الشريعة.
وقد رفع هذا التحول من حدة المنافسة داخل السوق المصرفي، ليصبح التنافس قائمًا بين بنوك محلية وإقليمية ودولية، مما ساهم في رفع كفاءة القطاع وتحفيز الابتكار في المنتجات المالية الإسلامية.
أما على مستوى أكبر البنوك العاملة في الصيرفة الإسلامية داخل مصر، فيتصدر مصرف أبو ظبي الإسلامي–مصر قائمة البنوك بحجم أصول يبلغ نحو 346.7 مليار جنيه بنهاية 2025، يليه بنك فيصل الإسلامي المصري بإجمالي أصول يقدر بنحو 257.9 مليار جنيه.
وفي المرتبة التالية يأتي بيت التمويل الكويتي بأصول تبلغ نحو 171.8 مليار جنيه، ثم بنك البركة بحجم أصول يصل إلى نحو 145.9 مليار جنيه بنهاية العام نفسه، بما يعكس تدرجًا واضحًا في أحجام الأصول بين اللاعبين الرئيسيين داخل السوق.
وفي المحصلة، تكشف مسيرة الصيرفة الإسلامية في مصر عن تحول تدريجي من تجربة محدودة النطاق إلى قطاع مصرفي متكامل الحضور داخل المنظومة المالية، استطاع عبر مراحل متتابعة أن يرسّخ موقعه كأحد المسارات الرئيسية للنشاط المصرفي، ولم يكن هذا التحول مجرد توسع عددي في المؤسسات أو المنتجات، بل امتدادًا لتغير أعمق في طبيعة الطلب، وفي توجهات البنية المالية نحو مزيد من التنوع والانفتاح.
كما أن تزايد دخول البنوك الإقليمية والدولية الكبرى إلى السوق يعكس أن مصر لم تعد تُقرأ فقط كسوق محلي كبير، بل كسوق قادر على جذب رؤوس أموال وخبرات مصرفية تبحث عن الاستقرار وفرص النمو في آن واحد، وهو ما يجعل الصيرفة الإسلامية في مصر أقرب إلى مرحلة ترسيخ موقعها الاستراتيجي، أكثر من كونها مرحلة توسع فقط، مع ما يحمله ذلك من انعكاسات على مستقبل المنافسة وتطور أدواتها داخل القطاع المصرفي ككل.











