أخضر: «COP30» خطوة لتنفيذ الاتفاقات أم مؤتمر لوضع تعهدات جديدة؟
First Bank
اختُتمت أول أمس فعاليات مؤتمر الأمم المتحدة للمناخ «COP30» الذي استضافته البرازيل خلال الفترة من 10 إلى 21 نوفمبر 2025، والذي مثل محطة محورية في مسار الجهود الدولية لمواجهة التغيرات المناخية، وجاء المؤتمر هذا العام ليعيد التأكيد على عدد من المحاور الرئيسية، أبرزها التحول عن الوقود الأحفوري، وتمويل المشروعات المناخية، ومراجعة الالتزام بتنفيذ الاتفاقيات السابقة، إلى جانب إطلاق مبادرات جديدة تهدف إلى سد فجوات التمويل وتعزيز قدرة الدول "خاصة النامية" على التكيف مع آثار المناخ المتسارعة.
ورغم أن مؤتمرات المناخ باتت جزءًا ثابتًا من الأجندة العالمية منذ انطلاقها في عام 1992 عقب صدور التقرير الأول للهيئة الحكومية الدولية لتغير المناخ، فإن «COP30» حمل هذا العام زخمًا استثنائيًا، سواء على مستوى حجم التعهدات المالية، أو الالتزامات القطاعية الجديدة، أو تبني خطط تنفيذية لأول مرة في ملفات شديدة الحساسية مثل الصحة، والغابات، وتمويل التكيّف.
ويُعد مؤتمر باريس الذي عُقد في عام 2015 إحدى أهم محطات المؤتمر، إذ كان هدفه الأساسي الحد من ارتفاع متوسط درجة الحرارة العالمية إلى أقل من درجتين مئويتين، مع مواصلة الجهود لحصر الارتفاع عند 1.5° درجة فقط، محذرًا من تجاوز ذلك لما قد يطلق العنان لتغيرات مناخية كبرى تهدد العديد من الدول بالجفاف المتكرر، وموجات الحر الشديدة، وهطول الأمطار الغزيرة، وقد رسخ مؤتمر «COP27» في شرم الشيخ بجمهورية مصر العربية هذا التوجه بإطلاق أول اتفاقية تستهدف تمويل «الخسائر والأضرار» لصالح الدول النامية.
أما في «COP30»، فركزت النقاشات على تقييم التزام الدول بخفض الانبعاثات، خصوصًا مع وصول العالم إلى مرحلة حاسمة ونقطة "الذروة" في الانبعاثات بحلول عام 2025 ثم خفضها بنسبة 43% بحلول 2030 وفقًا لاتفاقية باريس، غير أن التحديات تزداد تعقيدًا مع صدور تقرير فجوة الانبعاثات لعام 2025 الذي يشير إلى ارتفاع توقعات الاحترار بين 2.6 إلى 2.8 درجة مئوية بنهاية القرن، بعدما كانت التوقعات السابقة تراوح بين 2.3 و2.5 درجة، ولهذا ألزم المؤتمر الدول بتقديم تقارير محدثة عن مساهماتها الوطنية «NDCs» المعتمدة على بيانات واضحة، مع توجه الدول النامية لربط خططها بدور البنوك والمؤسسات المالية في تمويل التحول الأخضر.
فجوة التمويل المناخي.. أزمة تتجاوز الأرقام
توسعت نقاشات «COP30» حول فجوة التمويل، إذ تبيّن أن الهدف السابق بتوفير 100 مليار دولار سنويًا للدول النامية لم يتحقق فعليًا، رغم أن عام 2022 شهد ضخ 115.9 مليار دولار، إلا أن 70% منها جاءت في صورة قروض، مما زاد من عبء الديون وخدمتها بدلًا من تخفيفه.
وفي وقت سابق، كانت الدول قد اتفقت في مؤتمر أذربيجان، على رفع التمويل إلى 300 مليار دولار سنويًا حتى 2035، إلا أن «COP30» أعاد فتح النقاش حول طبيعة التمويل نفسه وليس حجمه فحسب، وطالبت الدول النامية بإلزام الدول المتقدمة بتحويل التمويلات إلى منح واستثمارات مباشرة بدلًا من القروض لتجنب زيادة الأعباء على ميزانيتها السنوية.
ويُضيف المشهد الدولي مزيدًا من التوتر مع إمكانية انسحاب الولايات المتحدة من اتفاق باريس وتراجع التزاماتها المناخية للمرة الثانية، رغم كونها ثاني أكبر مُصدر للانبعاثات وأقوى اقتصاد عالمي، مما قد يفسح المجال أمام الصين لتعزيز نفوذها في تمويل المشروعات المناخية العالمية، باعتبارها أكبر مصدر للانبعاثات عالميًا، وهو ما يزيد الفجوة بين دول الشمال والجنوب، ويضعف مبادئ التكاتف الدولي.
إنجازات «COP30».. انتقال من الوعود إلى التنفيذ
ورغم التحديات الكبيرة، شهد «COP30» عددًا من الإنجازات الفعلية التي عكست تطورًا في مسار العمل المناخي وانتقالًا تدريجيًا من مرحلة التعهدات إلى مرحلة التنفيذ، وكان أبرز هذه الإنجازات إطلاق مرفق الغابات الاستوائية الأبدية «Tropical Forests Forever»، وهو صندوق ضخم تقوده البرازيل لدعم الحفاظ على الغابات، مع هدف لجمع 125 مليار دولار، منها 25 مليار من الحكومات والمؤسسات الخيرية و100 مليار من القطاع الخاص، وتعهدت البرازيل مبدئيًا بمساهمة قدرها 1 مليار دولار للمرفق، على أن يوجَّه 20% من التمويل إلى الشعوب الأصلية والمجتمعات المحلية.
كما أطلق المؤتمر خارطة طريق التمويل «من باكو إلى بيليم» بهدف تعبئة 1.3 تريليون دولار سنويًا حتى 2035 عبر إنشاء دائرة وزراء المالية لـ «COP30» لتعزيز ربط التمويل بالالتزامات الفعلية، وشهد المؤتمر أيضًا إطلاق خطة الصحة والمناخ «BHAP»، وهي أول مبادرة من نوعها تُخصص يومًا كاملاً للصحة في مؤتمرات المناخ، مع تعهد مانحين بتقديم 300 مليون دولار لدعم الأنظمة الصحية في مواجهة آثار التغير المناخي.
ومن أبرز نتائج المؤتمر أيضًا، إقرار اتفاق عالمي لتعزيز حقوق ملكية الشعوب الأصلية على أكثر من 160 مليون هكتار من الأراضي بحلول 2030، وهي خطوة محورية لتعزيز العدالة المناخية وحماية الغابات، كما تم إطلاق تعهد «Belém 4x» لزيادة استخدام الوقود المستدام 4 أضعاف بحلول 2035، إلى جانب تحفيز القطاع الخاص عبر "الميثاق العالمي" الذي أطلقته البرازيل لحشد الشركات نحو التزامات أكثر جدية بخفض الانبعاثات والاستدامة.
وفي الختام، مع استمرار التراجع الاقتصادي العالمي وتزايد التوقعات بحدوث ركود خلال السنوات المقبلة، تزداد صعوبة مواجهة التحدي المناخي، ورغم الإنجازات المهمة التي خرج بها «COP30»، فإن الطريق نحو أهداف اتفاق باريس لا يزال طويلًا، ويظل التعاون الدولي وتوحيد الجهود شرطًا أساسيًا للحفاظ على الكوكب، بعيدًا عن الخلافات السياسية والاقتصادية، والعمل معًا للحد من ارتفاع درجات الحرارة وتحقيق انتقال عادل ومستدام لجميع الدول.






