أخضر: «أوروبا والاستدامة».. تشريعات خضراء على الورق وتراجعات عند أول اختبار اقتصادي
First Bank
نصبت القارة العجوز نفسها حارسًا علي كوكب الأرض للحفاظ عليه، وموجهًا لدول العالم في طريق الاستدامة والحفاظ علي البيئة، حيث نجد الاتحاد الاوربي يصدر التشريعات، كما يخرج أعضاؤه بالتصريحات عن ضرورة الحفاظ علي البيئة، وبينما يرسم الاتحاد الاوروبي لوحه متناغمه من الاستدامة البيئية والنمو الاقتصادي، نجد ان هذه اللوحه تُرسم علي الورق فقط من خلال التصريحات والاتفاقيات والقوانين، لكن عند النزول إلى أرض الواقع نجد أن القارة العجوز لا تدخر جهدًا للحفاظ علي نفسها واقتصادها دون التضحيه بجزء منه او تحمل تبعات هذه القوانين حتي يعود الاستقرار الإقتصادي، فنجد ان الاتحاد الاوروبي تراجع عن جوهر أكثر من قانون أُُصدر للحفاظ علي البيئة.
وتكشف هذه المفارقة أن الإشكالية الحقيقية لا تكمن في تبني أهداف الاستدامة، بل في مدى استعداد الاتحاد الأوروبي لتحمل تكلفتها الاقتصادية عندما تمس صميم قوته الإنتاجية والصناعية، ويكمن السؤال هنا؛ هل القارة العجوز على استعداد لتحمل تبعات هذه القوانين والاستمرار في الحفاظ على البيئة ام انها ستتراجع عن القوانين امام التهديدات الاقتصادية؟
ويأتي في مطلع هذه القوانين قانون «مكافحة إزلة الغابات»، والذي تم تشريعه في عام 2023، ليمنع استيراد المحاصيل الزراعية مثل القهوة والصويا و غيرها من المحاصيل إذا لم يتم إثبات أن المزارع التي أُنتجت فيها هذه المحاصيل لم تُنشأ نتيجه قطع الغابات وتدمير الطبيعة بعد عام 2020، وكان من المفترض أن يبدأ تطبيق القانون في ديسمبر 2024.
ولكن مع اقتراب موعد التطبيق نجد ان الضغط على الإتحاد الأوروبي في تصاعد، ليس من أصحاب المزارع أو شركات الاستيراد فقط، بل من ضغوط دولية تصدرتها الولايات المتحده الامريكية والبرازيل، وتزامنت هذه الضغوطات مع تحذيرات شركات الاغذية الاوروبية من تعطيل سلاسل الامداد وانخفاض المعروض في الأسواق مما يدفع الاسعار للارتفاع بشكل وُصف بالجنوني، لنشهد اتجاة القارة العجوز للحفاظ علي الاستقرار الاقتصادي لتمد حيز التنفيذ لمدة عام.
ولا يمكن فصل هذا التراجع عن بُعد جيوسياسي أوسع، إذ يعكس القانون محاولة أوروبية غير مباشرة لنقل تكلفة الاستدامة البيئية إلى دول الجنوب، التي تفتقر مزارعها الصغيرة إلى البنية الرقابية والتكنولوجية اللازمة للامتثال السريع لهذه التشريعات، ما يهدد قدرتها على النفاذ إلى الأسواق الأوروبية.
وفي هذا السياق، قدمت كلًا من ألمانيا والنرويج والسويد وهولندا والدنمارك مقترح PFAS، والذي يتضمن أكثر من 10 آلاف مادة كيميائية ويطلق عليها «المواد الكيميائية الأبدية»، وتأتي هذه التسمية وفقا لما تتسم به من خصائص عدم التحلل، وجاء المقترح بمنع هذه المواد الكيميائية للحفاظ علي البيئة وتقليل المخلفات، وما يصعب تصوره أن هذه الدول الكبرى المتقدمة بالقانون لم تُدرج مدي ارتباط هذه المواد بالبنية الصناعية الحديثة وهنا تظهر التكلفة الخفية للاستدامة، فلم تعد القضية بيئية خالصة، بل تحولت إلى اختبار مباشر لقدرة أوروبا على حماية سلاسلها الصناعية الاستراتيجية دون الإضرار بتنافسيتها التكنولوجية.
سنجد ان هذه المواد التي كان المبدء من منعها عدم تحللها، لايمكن الإستغناء عنها، حيث تدخل بصورة أساسية في صناعة الرقائق الالكترونية وتوربينات الرياح وبطاريات السيارات الكهربائية، وهنا يجد الإتحاد الأوروبي نفسه في مواجهة مباشرة مع كبرى الشركات الصناعية، التي أعلنت عدم تخليها عن مكانتها في الصناعة العالمية، فإذا استمرت القارة العجوز في هذا القانون، كانت ستدخل في مرحلة انيهار تكنولوجي كامل نتيجة تخارج شركات التكنولوجيا، لنشهد تراجع الاتحاد الخماسي عن هذا المنع وتحويله إلى الحد من المخاطر والانبعاثات الناتجة عن هذه الصناعات بدلًا من حظرها الكامل.
ولم ينجو حلم شوارع خالية من الانبعاثات من التراجع والتعديلات التشريعية، لنجد أن الإتحاد الاوروبي قد أعلن عن توقف بيع وتصنيع سيارات الاحتراق الداخلي الجديدة بحلول 2035، في خطوة تمهد الطريق للسيارات الكهربائية سواء امام المواطن الأوروبي أو عبر تحفيز شركات السيارات على ضخ مزيد من الاستثمارات في هذا القطاع لتحقيق طفرات نوعيه.
إلا أن الاتحاد الأوروبي اصطدم بألمانيا، التي يعد قطاع تصنيع السيارات أحد أهم أعمدة اقتصادها، وكذالك ايطاليا التي يحتل فيها القطاع أهمية كبيرة، لتجد القارة العجوز نفسها أمام تهديد مباشر لاستقرار أكبر اقتصاد في الاتحاد الأوروبي "وهو الاقتصاد الألماني"، الذي يعد الأكبر أوروبيًا وثالث اكبر اقتصاد عالميًا، مما يهدد الاستقرار الاقتصادي للاتحاد برمته.
وفي ظل هذه الضغوط، لم يكن التراجع خيارًا سياسيًا بقدر ما كان ضرورة اقتصادية للحفاظ على تماسك القاعدة الصناعية الأوروبية، لنشهد في منتصف شهر ديسمبر 2025 تعديل أهداف التشريع، حيث جرى استبدال الحظر الكامل بهدف تقليل الانبعاثات بنسبة 90% بحلول عام 2035، ليمنح هذا التعديل قطاع السيارات فترة سماح لتطوير تكنولوجيا السيارات الكهربائية والهجينه، دون إقصاء فوري لمحركات الاحتراق الداخلي.
وتُظهر هذه التراجعات المتلاحقة أن "الاستدامة" في أوروبا لم تعد مسارًا ثابتًا، بل متغيرًا يخضع لحسابات الربح والخسارة وضغوط الميزان التجاري، وبالنسبة للمستثمرين والبنوك التي تبني خططها على التمويل الأخضر، فإن هذا التذبذب يرسل إشارة مقلقة؛ مفادها أن الاتجاة الأخضر قد يتغير سريعًا إذا ما اصطدم بتكاليف المعيشة ومستقبل القوى الصناعية الكبرى.
ويضع هذا الواقع البنوك الأوروبية أمام معضلة مزدوجة، بين الالتزام بمعايير التمويل المستدام ومتطلبات الحفاظ على ربحية المحافظ الائتمانية المرتبطة بالصناعة التقليدية، ما يعيد تسعير المخاطر البيئية كعامل اقتصادي لا أخلاقي فقط، حيث إن التحول الحقيقي لا يحتاج لوعود براقة في أوقات الرخاء، بل إلى شجاعة سياسية واقتصادية للإستمرار في وقت الأزمات، وضمان موازنة عادلة بين التطلبات التي نحتاجها اليوم، والأكسجين الذي لن نعيش بدونه غداً




