FirstBank فرست بنك موقع فرست بنك فيرست بنك first bank



مؤشر «First»: ما وراء قفزة الأصول آخر 5 سنوات.. كيف بنى بنك قناة السويس قاعدة تمويل أكثر مرونة؟

FirstBank

ثمة فرق جوهري بين أن يكبر الشيء، وأن يفهم المرء كيف كبر، فالنمو في ذاته ظاهرة محايدة، لا تحمل قيمةً إيجابية أو سلبية إلا بقدر ما تكشف عن البنية التي أحدثته.

وعندما تتضخم أصول بنك ما بأكثر من 4 أضعاف خلال فترة قصيرة نسبيًا، فإن السؤال الذي يستحق التأمل ليس «كم نمي؟»، بل «كيف موَل هذا النمو؟».

فالاتساع في الميزانية ليس إنجازًا بذاته، إنما هو امتحان مؤجل لهيكل التمويل الذي يحمله؛ فإن كان هذا الهيكل مرنًا وقادرًا على استيعاب النمو، تحول التوسع إلى مصدر قوة، وإن كان هشًا أو قائمًا على الاعتماد المفرط على مصدر واحد، تحول إلى عبء يضغط على الربحية والعوائد.

ومن هذا المنظور، لا تُقرأ تطورات بنك قناة السويس آخر 5 سنوات بوصفها مجرد سلسلة أرقام متصاعدة، بل بوصفها تحولًا في فلسفة إدارة الميزانية نفسها.

فلم تقتصر استراتيجية البنك على تنمية مصادر التمويل التقليدية، بل امتدت إلى إعادة النظر في الأوزان النسبية لهذه المصادر داخل الهيكل التمويلي، بما أوجد قاعدة أكثر تنوعًا ومرونة لاستيعاب النمو المتسارع.

وخلال الفترة السنوات الـ5 الماضية، قفزت أصول بنك قناة السويس إلى 306.25 مليار جنيه بنهاية مارس 2026، مقابل 54.39 مليار جنيه بنهاية 2020، بمعدل نمو بلغ 463.1%، وبزيادة تجاوزت 251.8 مليار جنيه، وهو معدل يتجاوز بكثير ما تحققه غالبية البنوك خلال هذه الفترة.

لكن هذا الرقم، مهما ظهر كبيرًا، لا يكشف وحده عن حقيقة التحول؛ فالجوهر يكمن في الكيفية التي جرى بها تمويل هذا النمو.

ورغم احتفاظ ودائع العملاء بمكانتها باعتبارها المصدر الرئيسي لتمويل الأصول، بعدما ارتفعت إلى 229.04 مليار جنيه بنهاية مارس 2026، مقابل 44.34 مليار جنيه بنهاية 2020، فإن القراءة المعمقة في مؤشرات البنك تكشف أن وتيرة نمو الأصول تجاوزت وتيرة نمو الودائع، ما أدى إلى تراجع مساهمة الودائع في تمويل الأصول من 81.53% إلى 74.79% خلال ذات الفترة.

وقد يبدو هذا التراجع، للوهلة الأولى، مؤشرًا سلبيًا، إلا أنه يعكس في الواقع تحولًا أكثر نضجًا في هيكل التمويل.

فالودائع لم تتراجع قيمتها أو أهميتها، وإنما انخفض وزنها النسبي نتيجة نمو مصادر التمويل الأخرى بوتيرة أسرع.

ويعكس ذلك نجاح الإدارة في تخفيف الاعتماد المرتفع على مصدر تمويلي واحد، والانتقال تدريجيًا إلى هيكل أكثر تنوعًا.

فكلما ارتفع الاعتماد على الودائع وحدها، ازدادت حساسية البنك تجاه المنافسة على جذب المدخرات وتقلبات تكلفة الأموال، بينما يمنح تنويع مصادر التمويل مرونة أكبر في إدارة السيولة ودعم التوسع.

ويتجلى هذا التحول بصورة أوضح في الأرصدة المستحقة للبنوك، التي ارتفعت إلى 42.37 مليار جنيه بنهاية مارس 2026، مقابل 4.42 مليار جنيه بنهاية 2020، بمعدل نمو بلغ 859.4%، لترتفع مساهمتها في تمويل الأصول من 8.12% إلى 13.84% خلال ذات الفترة.

ولا تقتصر أهمية هذا التطور على حجمه، بل تمتد إلى دلالته الاستراتيجية؛ حيث نجح البنك في تنويع مصادر تمويله من خلال زيادة الاعتماد على التمويل من البنوك، بما وفر مرونة أكبر في دعم النمو ومواكبة التوسع في الأصول.

وقد وفر ذلك مرونة أكبر في إدارة السيولة، ومكن البنك من مواكبة التوسع السريع في الأصول دون التعرض لضغوط تمويلية قد تحد من قدرته على النمو.

وفي الوقت نفسه، واصل البنك تدعيم قاعدته الرأسمالية، لترتفع حقوق الملكية إلى نحو 21 مليار جنيه بنهاية مارس 2026، مقابل 3.87 مليار جنيه بنهاية 2020، بمعدل نمو بلغ 416.5%.

ورغم تراجع مساهمتها النسبية في هيكل التمويل بشكل طفيف إلى 6.86% بنهاية مارس 2026، مقارنة بـ7.11% بنهاية 2020، إلا أن نموها لم يكن قليلًا إطلاقًا، وإنما الأصول نمت أسرع بفضل الودائع والأرصدة المستحقة للبنوك وغيرها من مصادر التمويل.

وهذا هو السبب الحقيقي لانخفاض نسبتها من هيكل التمويل.

وتشير هذه التحولات مجتمعة إلى أن البنك لم يحقق توسعًا كميًا فحسب، بل انتقل إلى مرحلة أكثر تطورًا في إدارة هيكل التمويل؛ حيث تحول من نموذج يعتمد بصورة شبه كاملة على الودائع إلى نموذج أكثر توازنًا يقوم على تنويع مصادر التمويل وتوسيع هامش المرونة المالية.

ويمثل هذا التحول، في العادة، إحدى السمات الرئيسية للبنوك القادرة على تحقيق معدلات نمو مرتفعة دون التعرض لاختناقات تمويلية أو ضغوط على الربحية.

ولأن كفاءة أي هيكل تمويلي لا تُقاس بتكوينه فقط، وإنما بنتائجه أيضًا، فإن المؤشرات المالية تؤكد نجاح هذا التحول.

فقد ارتفع العائد على متوسط الأصول إلى 2.85% خلال عام 2025، مقابل 1.13% خلال عام 2020، كما صعد العائد على متوسط حقوق الملكية إلى 37.62% مقارنة بـ16.77% خلال الفترة نفسها.

كذلك ارتفع صافي الأرباح إلى 6.42 مليار جنيه خلال عام 2025، مقارنة بـ601.64 مليون جنيه خلال عام 2020، بمعدل نمو بلغ 967.3%، بما يؤكد أن التوسع الكبير في حجم الميزانية لم يكن على حساب الربحية، بل صاحبه تحسن ملموس في قدرة البنك على توظيف أصوله ومصادر تمويله لتحقيق أرباح وعوائد أعلى.

واستمرت هذه المؤشرات الإيجابية خلال الربع الأول من عام 2026، بعدما سجل البنك صافي أرباح بلغ 1.64 مليار جنيه، بعائد على متوسط الأصول بلغ 2.27%، وعائد على متوسط حقوق الملكية بلغ 31.54%.

ويعزز استمرار هذه النتائج الفرضية الأساسية بأن إعادة هيكلة التمويل لم تكن مجرد تغيير في مكونات الميزانية، وإنما كانت أحد المحركات الرئيسية وراء التحسن الواضح في الربحية وكفاءة استخدام الموارد خلال السنوات الأخيرة.

كما تؤكد هذه المؤشرات أن البنك لم يحقق نموًا سريعًا في حجم أعماله فحسب، بل نجح أيضًا في إعادة تشكيل هيكل تمويله بما وفر قاعدة أكثر تنوعًا ومرونة لدعم هذا التوسع.

وفي ظل استمرار تحسن الربحية والعوائد، يبدو أن هذا التحول لم يكن مجرد تغيير في مكونات الميزانية، بل أحد أهم العوامل التي أسهمت في رفع جودة النمو وتعزيز استدامته خلال السنوات الأخيرة.

وبذلك، فإن ما يميز تجربة البنك لا يتمثل في تضخم الأصول وحده، وإنما في نجاحه في بناء هيكل تمويلي أكثر توازنًا، استطاع مواكبة التوسع دون الإخلال بمؤشرات الربحية أو كفاءة استخدام الموارد.

وهي معادلة يصعب تحقيقها في البنوك سريعة النمو، لكنها تبدو واضحة في مسار البنك خلال السنوات الـ5 الأخيرة.