FirstBank فرست بنك موقع فرست بنك فيرست بنك first bank



سباق الأرقام الكبيرة: هل ستدفع عمليات الاستحواذ والتوسع الأخيرة لـ«الإمارات دبي الوطني» لانتزاع وصافة البنوك في الشرق الأوسط وشمال إفريقيا؟

FirstBank

لا تُعيد الاستحواذات الكبرى تشكيل مراكز البنوك الإقليمية بمجرد الإعلان عنها، لكنها قد تغيّر اتجاه المنافسة لسنوات مقبلة.

وفي قطاع مصرفي تتجاوز فيه الميزانيات العمومية مئات المليارات من الدولارات، يصبح السؤال الأكثر أهمية ليس من يحتل المراكز المتقدمة اليوم، وإنما أي البنوك يمتلك القدرة على إعادة تشكيل خريطة المنافسة بوتيرة أسرع.

ومن هذا المنطلق، تثير التحركات الأخيرة لمجموعة الإمارات دبي الوطني تساؤلًا جوهريًا: هل بدأت المجموعة بالفعل في تضييق الفجوة مع مجموعة بنك قطر الوطني (QNB)، ثاني أكبر بنك في الشرق الأوسط وشمال إفريقيا؟

ويأتي هذا التساؤل بعد أن نجحت المجموعة بالفعل في إحداث تغيير داخل خريطة أكبر البنوك الإقليمية خلال العام الجاري، بعدما انتزعت بنهاية مارس 2026 المركز الثالث في الشرق الأوسط وشمال إفريقيا من البنك الأهلي السعودي، لترتفع أصولها إلى 331.24 مليار دولار، مقابل 317.04 مليار دولار بنهاية عام 2025.

وبذلك، لم يعد التحدي أمام المجموعة يتمثل في دخول قائمة أكبر ثلاثة بنوك بالمنطقة، وإنما في مدى قدرتها على تقليص الفجوة مع صاحب المركز الثاني.

ورغم أن التوسع عبر الاستحواذات يمثل أحد المحاور الرئيسية لاستراتيجية الإمارات دبي الوطني منذ سنوات، إلا أن المرحلة الحالية تختلف عن سابقاتها من حيث حجم الصفقات وتأثيرها المحتمل على الميزانية العمومية.

فالمجموعة لا تستهدف مجرد تعزيز انتشارها الجغرافي، وإنما تسعى إلى إضافة قواعد أصول كبيرة قادرة على إحداث قفزة ملموسة في حجم أعمالها خلال فترة زمنية قصيرة.

وفي هذا الإطار، أعلنت المجموعة في أكتوبر 2025 توقيع اتفاق للاستحواذ على حصة الأغلبية في بنك RBL الهندي مقابل 2.75 مليار دولار، في واحدة من أكبر صفقات الاستحواذ العابرة للحدود بتاريخ القطاع المصرف الهندي.

واستُكملت الصفقة رسميًا في أواخر يونيو الماضي بعد الحصول على جميع الموافقات التنظيمية، لتصبح المجموعة مالكة لنحو 60% من رأس المال الموسع للبنك.

ولا تقتصر أهمية الصفقة على قيمتها الاستثمارية، بل تمتد إلى كونها أكبر استثمار أجنبي مباشر في القطاع المصرفي الهندي، وأكبر عملية زيادة رأسمال عبر الأسهم في تاريخ البنوك الهندية، فضلًا عن كونها أول استحواذ أجنبي ناجح على حصة الأغلبية في بنك هندي.

ومن المتوقع أن تضيف الصفقة نحو 19.15 مليار دولار إلى قاعدة أصول الإمارات دبي الوطني، استنادًا إلى إجمالي أصول بنك RBL بنهاية مارس 2026.

ولم تتوقف تحركات المجموعة عند هذا الحد، حيث كشفت تقارير إعلامية دولية خلال الأيام الماضية، عن دخول المجموعة في محادثات للاستحواذ على أعمال HSBC في تركيا.

ورغم عدم الإعلان عن اتفاق نهائي حتى الآن، فإن إتمام الصفقة قد يعزز قاعدة أصول مجموعة الإمارات دبي الوطني بما يعادل نحو 6.94 مليار دولار، استنادًا إلى إجمالي أصول أعمال HSBC في تركيا بنهاية مارس 2026.

وتأتي هذه التحركات في وقت يواصل فيه الإمارات دبي الوطني تحقيق نمو عضوي قوي، حيث ارتفعت أصوله إلى 331.24 مليار دولار بنهاية مارس 2026، مقارنة مع 317.04 مليار دولار بنهاية عام 2025، بزيادة بلغت 14.2 مليار دولار، ومعدل نمو قدره 4.5% على أساس ربع سنوي.

ولأغراض المقارنة، واستنادًا إلى بيانات مارس 2026، ومع افتراض دمج الأصول محل الاستحواذ بالكامل، فإن ذلك سيرفع قاعدة أصول المجموعة إلى نحو 357.33 مليار دولار.

لكن تقييم أثر هذه الصفقات لا يكتمل دون مقارنتها بوتيرة نمو المنافس المباشر.

فقد ارتفعت أصول مجموعة QNB إلى 386.91 مليار دولار بنهاية مارس 2026، مقابل 380.67 مليار دولار بنهاية عام 2025، محققة زيادة بلغت 6.24 مليار دولار فقط، وبمعدل نمو قدره 1.6% خلال الفترة نفسها.

وتشير هذه المقارنة إلى أن الإمارات دبي الوطني حقق خلال الربع الأول وحده نموًا عضويًا تجاوز ضعف الزيادة التي سجلها QNB، حتى قبل احتساب أثر الاستحواذات. كما أن إضافة الأصول المتوقع ضمها من الصفقات الأخيرة ترفع إجمالي الزيادة في أصول المجموعة إلى ما يزيد على ستة أضعاف النمو الذي حققه QNB منذ بداية العام.

ورغم ذلك، فإن هذه الطفرة لن تكون كافية لانتزاع المركز الثاني في المدى القريب، حيث ستظل أصول الإمارات دبي الوطني أقل من نظيرتها لدى QNB بنحو 29.6 مليار دولار حتى بعد احتساب أثر الصفقات المعلنة والمحتملة.

غير أن هذه النتيجة لا تعكس الصورة الكاملة.

فالفجوة بين البنكين كانت تبلغ نحو 55.7 مليار دولار قبل احتساب الاستحواذات الأخيرة، بينما تنخفض إلى أقل من 30 مليار دولار بعدها، أي أن الإمارات دبي الوطني يتمكن نظريًا من تقليص الفارق بنحو 47% عبر صفقتين فقط.

ومن منظور استراتيجي، قد يكون هذا التطور أكثر أهمية من تغيير الترتيب الحالي، فالإمارات دبي الوطني نجح بالفعل في تجاوز البنك الأهلي السعودي والصعود إلى المركز الثالث، وهو ما يعني أن استراتيجيته التوسعية لم تعد تُترجم إلى نمو في الأصول فقط، بل بدأت تنعكس على ترتيبه الإقليمي.

ومن ثم، فإن المؤشر الذي يستحق المتابعة خلال الفترة المقبلة لم يعد حجم أصول البنك في حد ذاته، وإنما معدل انكماش الفجوة مع QNB.

فإذا حافظ الإمارات دبي الوطني على وتيرة نموه العضوي الحالية، واستمر في تنفيذ استحواذات مماثلة، مقابل استمرار QNB في النمو بالمعدلات الأخيرة، فإن المنافسة على وصافة أكبر بنوك الشرق الأوسط وشمال إفريقيا قد تصبح أكثر تقاربًا خلال السنوات المقبلة، وقد تمكنه من انتزاع الوصافة الإقليمية.

وبالتالي، فإن الرسالة الأساسية التي تعكسها التحركات الأخيرة لا تتمثل في أن الإمارات دبي الوطني أصبح على وشك تجاوز QNB، وإنما في أنه نجح أولًا في إعادة رسم موقعه داخل قائمة أكبر البنوك الإقليمية بانتزاع المركز الثالث، قبل أن يبدأ مرحلة جديدة تستهدف تقليص الفجوة مع صاحب المركز الثاني.

وقد لا تقوده هذه الصفقات إلى الوصافة فورًا، لكنها تضعه على مسار يجعل المنافسة عليها أكثر واقعية مما كانت عليه قبل عام واحد فقط.

ويبقى العامل الحاسم خلال الفترة المقبلة هو قدرة المجموعة على مواصلة تنفيذ استراتيجيتها التوسعية، بالتوازي مع وتيرة نمو منافسيها، وهو ما سيحدد ما إذا كانت المنافسة على وصافة أكبر بنوك الشرق الأوسط وشمال إفريقيا ستظل مجرد سيناريو محتمل، أم ستتحول خلال السنوات المقبلة إلى واقع.