ياسر الطيب .. يدون فصلًا استثنائيًا في قصة نجاح «الكويت الوطني- مصر»
First Bank
في عالم البنوك هناك رؤساء تنفيذيون يغيرون نتائج الأعمال.. وهناك آخرون يعيدون رسم ملامح المؤسسة نفسها.. قد تبدو النتيجة واحدة في الحالتين؛ أصول أكبر، وودائع أكثر، وأرباح تنمو، لكن الفارق الحقيقي يظهر بعد سنوات، عندما تكشف الميزانية ما إذا كان هذا النمو مجرد استجابة لظروف السوق، أم نتيجة لرؤية أعادت بناء البنك من الداخل.
فخلال الفترة الممتدة من عام 2019 وحتى مارس 2026، لم يكن بنك الكويت الوطني-مصر يحقق معدلات نمو لافتة فحسب، بل كان يعيد بناء ميزانيته بندًا بعد آخر، فمن قاعدة رأسمالية أكثر قوة، إلى مصادر تمويل أكثر استقرارًا، ثم توسع مدروس في النشاط الائتماني، وسياسة واضحة في إدارة السيولة والمخاطر.
وتبدو الأرقام وكأنها لا تروي قصة نمو تقليدية، بل تكشف فلسفة إدارية قامت على مبدأ بسيط؛ أن البنك القوي لا يُقاس بحجم ما يملكه اليوم، وإنما بقدرته على مواصلة النمو غدًا دون أن يفقد توازنه.
فهذه كلها نتائج جاءت في نهاية الرحلة، أما القصة الحقيقية، فتبدأ من القرارات التي جعلت كل هذه الأرقام تنمو معًا، دون أن يطغى بند على آخر، ودون أن يدفع البنك ثمن هذا النمو في جودة محافظه أو قوة مركزه المالي.
فخلال هذه الفترة، لم يكن بنك الكويت الوطني-مصر يمر بمرحلة توسع تقليدية، وإنما كان يعيد صياغة نموذج عمله بالكامل؛ فالنمو لم يبدأ من زيادة الأصول فقط، بل من بناء الأساس الذي يسمح لهذه الأصول بالنمو، عبر قاعدة رأسمالية أكثر قوة، وهيكل تمويلي أكثر استقرارًا، وقدرة أكبر على إدارة المخاطر.
ومن هنا تبدأ قراءة تجربة ياسر الطيب التي بدأت في أغسطس 2019 بعد تعيينه في منصب الرئيس التنفيذي والعضو المنتدب للبنك ؛ فالأصول التي تجاوزت 257 مليار جنيه، والودائع التي تخطت 203 مليارات جنيه، ومحفظة التمويلات التي اقتربت من 135 مليار جنيه، لم تكن نقطة البداية، وإنما كانت نتيجة لقرارات متراكمة أعادت تشكيل البنك خلال سبع سنوات.
فقد انتقل بنك الكويت الوطني-مصر من مؤسسة تدير أصولًا بقيمة 64.32 مليار جنيه بنهاية 2019 إلى بنك يدير ميزانية بقيمة 257.71 مليار جنيه بنهاية مارس 2026، بنمو تجاوز300%.
لكن هذا التحول لم يكن مجرد تضاعف في حجم الأصول، وإنما كان إعادة بناء لطبيعة البنك نفسه؛ فالأصول التي تضاعفت أكثر من ثلاث مرات جاءت مدعومة بتطور متزامن في مصادر التمويل، وتعزيز القاعدة الرأسمالية، ورفع القدرة على إدارة حجم أكبر من الأعمال.
فالميزانية لا تنمو من جانب واحد؛ حيث أن كل توسع مخطط في الأصول يحتاج إلى قاعدة التزامات قادرة على تمويله، وهو ما ظهر بوضوح في نمو ودائع العملاء من 51.57 مليار جنيه بنهاية 2019 إلى 203.64 مليار جنيه بنهاية مارس 2026 ، بنمو تجاوز 294%.
ولم تكن هذه الزيادة مجرد ارتفاع في حجم السيولة المتاحة، وإنما كانت تحولًا في قاعدة تمويل البنك؛ فبناء قاعدة ودائع قوية منح البنك قدرة أكبر على توظيف موارده في أصول منتجة، والتحرك من موقع يمتلك فيه القدرة على صناعة النمو بدلًا من مجرد الاستجابة لظروف السوق.
وهنا تظهر أهمية إدارة جانب الالتزامات؛ فالنمو المستدام لا يعتمد فقط على جذب أموال أكثر، وإنما على بناء هيكل تمويلي أكثر استقرارًا يسمح للبنك بالحفاظ على كفاءة التكلفة والمرونة التشغيلية مع توسع الميزانية.
وفي الوقت نفسه، عزز البنك قدرته على استيعاب هذا النمو من خلال تقوية القاعدة الرأسمالية؛ إذ ارتفعت حقوق الملكية من 8.01 مليار جنيه بنهاية 2019 إلى 30.91 مليار جنيه بنهاية مارس 2026 بمعدل نمو تجاوز 285%.
ولم يكن نمو رأس المال مجرد انعكاس لتراكم الأرباح، وإنما كان أحد المحركات الرئيسية وراء قدرة البنك على التوسع؛ فرأس المال هو ما يمنح المؤسسة المصرفية مساحة أكبر لزيادة النشاط، وتحمل المخاطر، واقتناص الفرص دون التأثير على قوة المركز المالي.
وبعد بناء هذه القاعدة، جاءت المرحلة الأكثر أهمية؛ وهي تحويل الموارد المتاحة إلى نشاط مصرفي منتج من خلال التوسع الائتماني.
فقد ارتفعت إجماليمحفظة القروض والتسهيلات للعملاء من 32.28 مليار جنيه بنهاية 2019 إلى 134.87 مليار جنيه بنهاية الربع الأول من 2026، بنمو تجاوز 317%.
لكن أهمية هذا النمو لا تكمن فقط في حجم التمويلات التي أُضيفت إلى المحفظة، وإنما في الجودة التي صاحبت هذا التوسع، فالنمو الائتماني الحقيقي لا يقاس فقط بقدرة البنك على زيادة التمويلات، وإنما بقدرته على الحفاظ على جودة المحفظة مع توسع حجم الأعمال.
وتأتي هذه المؤشرات في ظل توسع كبير في حجم المحافظ؛ حيث ارتفعتإجمالي تمويلات العملاء والبنوك من 32.28 مليار جنيه بنهاية 2019 إلى 134.87 مليار جنيه بنهاية مارس 2026، وقفزت تمويلات الأفراد من 5.52 مليار جنيه إلى 27.75 مليار جنيه، بينما ارتفعت تمويلات المؤسسات من 26.76 مليار جنيه بنهاية 2019 إلى 107.12 مليار جنيه بنهاية مارس 2026.
وتعكس هذه الأرقام أن استراتيجية البنك لم تعتمد على التوسع الكمي فقط، وإنما على بناء محافظ قادرة على تحقيق عائد مستدام مع الحفاظ على الانضباط الائتماني، وهو ما يميز النمو المؤسسي عن النمو القائم على زيادة الحجم فقط.
ولهذا لم يتعامل بنك الكويت الوطني-مصر مع التمويلات باعتبارها هدفًا منفصلًا، وإنما باعتبارها نتيجة طبيعية لبناء مؤسسة تمتلك أدوات تقييم أكثر تطورًا وقدرة أكبر على إدارة المخاطر.
فالتوسع في تمويل الشركات عزز دور البنك كشريك في دعم النشاط الاقتصادي، بينما ساهم نمو قطاع التجزئة المصرفية في تنويع قاعدة العملاء ومصادر الدخل، بما خلق محفظة أكثر توازنًا وقدرة على مواجهة تغيرات السوق.
وتظهر أهمية هذا النهج في أن جودة النمو المصرفي لا تتحدد فقط بحجم المحفظة، وإنما بقدرتها على الاستمرار وتحقيق عائد دون ضغوط متزايدة على المركز المالي؛ فالمحفظة القوية هي التي تنمو مع الحفاظ على انضباطها الائتماني.
ومن هنا، فإن زيادة المحفظة بأكثر من أربعة أضعاف خلال هذه الفترة تعكس قدرة البنك على تحقيق معادلة دقيقة بين التوسع والحفاظ على جودة محفظة التمويلات، إذ إن زيادة التمويلات دون إدارة فعالة للمخاطر قد تتحول من مصدر للنمو إلى عبء على الأرباح ورأس المال.
وقد انعكست هذه الكفاءة في إدارة الموارد على مؤشرات الربحية؛ حيث بلغ العائد على متوسط الأصول نحو 3.8%، بينما سجل العائد على متوسط حقوق الملكية 30.7% خلال 2025 ، بما يعكس قدرة البنك على تحويل النمو في حجم الأعمال إلى عوائد قوية، وليس مجرد زيادة في أرقام الميزانية.
فارتفاع العائد على الأصول يعكس كفاءة توظيف الموارد المتاحة، بينما يؤكد العائد على حقوق الملكية قدرة البنك على تحقيق قيمة حقيقية مضافة للملاك.
ومع توسع النشاط، حافظ البنك على الجانب الآخر من المعادلة؛ وهو الانضباط في إدارة السيولة، فقد ارتفعت الأرصدة لدى البنك المركزى في إطار نسبة الإحتياطي الالزامي من 3.5 مليار جنيه بنهاية 2019 إلى 22.1 مليار جنيه بنهاية مارس 2026.
ويكشف ذلك أن البنك لم يوجه كامل موارده نحو التوسع الائتماني، وإنما احتفظ بمستويات قوية من السيولة باعتبارها أداة استراتيجية لحماية النمو ومنح الميزانية مرونة أكبر في مواجهة تغيرات السوق.
كما حافظ البنك على ادارة الأصول والالتزامات بالعملات الأجنبية لتصل الي 74 مليار جنيه في مارس 2026 لكل جانب، بما يعكس إدارة دقيقة لمخاطر العملة، خصوصًا خلال فترة شهدت تحولات كبيرة في سوق الصرف.
وهكذا تكشف تجربة بنك الكويت الوطني-مصر أن التحول لم يكن في حجم الميزانية فقط، وإنما في جودة البناء الذي يقف خلفها.
فالأصول تضاعفت، لكن معها تطورت القدرة على إدارتها، والودائع نمت، لكن معها أصبح هيكل التمويل أكثر قوة، والتمويلات توسعت، لكن ضمن إطار يحافظ على جودة المحفظة، ورأس المال ارتفع، ليمنح البنك قدرة أكبر على مواصلة النمو.
وهذا هو جوهر تجربة ياسر الطيب؛ فالقيمة لم تكن فقط في تحقيق معدلات نمو مرتفعة، وإنما في بناء مؤسسة تمتلك الأدوات التي تسمح بتحويل النمو إلى قيمة مستدامة.











