من التجزئة إلى المؤسسات.. كيف أعاد «التجاري وفا إيجيبت» تشكيل قاعدة تمويله آخر 5 سنوات؟
شيماء ناصر
لا تعكس الودائع حجم أعمال البنك فقط، بل تكشف أيضًا عن طبيعة مصادر التمويل التي يعتمد عليها في دعم نموه، وتوضح بيانات «التجاري وفا إيجيبت» أن التحول الأبرز خلال السنوات الخمس الأخيرة لم يكن في زيادة الودائع فحسب، وإنما في تغير هيكلها، مع تصاعد دور ودائع المؤسسات لتصبح المحرك الرئيسي لنمو الميزانية.
ففي عام 2020، كانت قاعدة الودائع تتسم بدرجة من التوازن، حيث بلغت ودائع الأفراد 17.51 مليار جنيه مقابل 13.47 مليار جنيه لودائع المؤسسات، وهو ما منح البنك في ذلك الوقت قاعدة تمويل يغلب عليها نشاط التجزئة المصرفية.
إلا أن هذا التوازن تغير بصورة واضحة خلال آخر 5 سنوات، حيث ارتفعت ودائع المؤسسات إلى 91.57 مليار جنيه بنهاية مارس 2026، مقابل 49.14 مليار جنيه لودائع الأفراد بنهاية نفس الفترة، لتصبح المؤسسات المصدر الأكبر لتمويل البنك.
ولا يقتصر هذا التحول على اختلاف معدلات النمو، بل يمتد إلى مساهمة كل قطاع في تكوين قاعدة الودائع، فقد سجلت ودائع المؤسسات نموًا بلغ 579.7% خلال الفترة، مقارنة مع 180.7% لودائع الأفراد، وهو ما انعكس على توزيع الزيادة المحققة في إجمالي الودائع، إذ ساهمت المؤسسات وحدها بنحو 78.1 مليار جنيه، بما يمثل أكثر من 71% من إجمالي النمو، بينما بلغت مساهمة الأفراد نحو 31.6 مليار جنيه فقط، ويعكس ذلك أن التوسع في قاعدة التمويل خلال السنوات الأخيرة كان مدفوعًا بصورة رئيسية بالقطاع المؤسسي.
وتزداد أهمية هذا التحول عند مقارنته بتطور بنود الميزانية الرئيسية، فبينما ارتفعت الودائع بنسبة 354.2% لتصل إلى 140.71 مليار جنيه بنهاية مارس 2026، سجلت الأصول نموًا بنسبة 309.8% لتبلغ 166.68 مليار جنيه بنهاية نفس الفترة، في حين ارتفعت محفظة القروض إلى 70.07 مليار جنيه بنهاية مارس 2026 مقابل 22.15 مليار جنيه في عام 2020، بنمو بلغ نحو 216.3%.
ويشير اختلاف وتيرة النمو بين هذه المؤشرات إلى أن البنك ركز خلال فترة التحليل على بناء قاعدة تمويل بوتيرة أسرع من التوسع في الإقراض، بما وفر له مصادر تمويل قوية تدعم خططه التوسعية وتعزز مرونة هيكل الميزانية.
كما تؤكد نسب الودائع إلى إجمالي الأصول أن التحول لم يكن كميًا فقط، بل امتد إلى طبيعة مصادر تمويل الأصول، فقد ارتفعت مساهمة ودائع المؤسسات في تمويل الأصول إلى 54.9% بنهاية مارس 2026، مقابل 33.1% في عام 2020، بينما انخفضت مساهمة ودائع الأفراد من 43% إلى 29.5%، وتعكس هذه المؤشرات انتقال الاعتماد الرئيسي في تمويل نمو الأصول من قاعدة التجزئة إلى قاعدة مؤسسية أوسع، وهو تحول يعيد رسم هيكل التمويل داخل البنك.
ولا يرتبط نمو ودائع المؤسسات بحجم السيولة فقط، بل يعكس أيضًا تطور العلاقات المصرفية مع قطاع الشركات، فالعملاء المؤسسيون لا يمثلون مصدرًا للودائع فحسب، وإنما يشكلون قاعدة لطلب مجموعة واسعة من الخدمات المصرفية، تشمل إدارة النقد، وتمويل التجارة، والتمويلات المباشرة والمشتركة، وخدمات الخزانة، وهو ما يمنح البنك فرصًا أكبر لتعميق العلاقة مع العميل وتنويع مصادر الإيرادات على المدى المتوسط والطويل.
وفي المقابل، فإن استمرار نمو ودائع الأفراد إلى أكثر من 49 مليار جنيه يؤكد أن البنك لم يتراجع عن تنمية نشاط التجزئة المصرفية، وإنما أعاد توزيع محركات النمو داخل قاعدة التمويل.
وفي المجمل، لا تكشف بيانات «التجاري وفا إيجيبت» عن مجرد تضاعف في الودائع أو الأصول، وإنما عن تحول واضح في هيكل التمويل ونموذج الأعمال، فقد انتقل البنك من هيكل يعتمد بدرجة أكبر على ودائع الأفراد إلى نموذج تقوده الودائع المؤسسية، في وقت حافظ فيه على نمو قوي في قاعدة التجزئة.
ويعكس هذا التحول استراتيجية تستهدف بناء ميزانية أكثر متانة، تعتمد على تنويع مصادر التمويل وتعميق العلاقات مع قطاع الشركات، بما يضع البنك في موقع أفضل لتمويل توسعاته المستقبلية، مع الاعتماد بصورة أكبر على مصادر تمويل مستقرة ومتنوعة تدعم استدامة نمو الميزانية على المدى الطويل.











