حين تنمو أصول بنك ما بأكثر من أربعة أضعاف خلال خمس سنوات يصبح السؤال الأكثر أهمية ليس حجم النمو ذاته بل الكي

FirstBank فرست بنك موقع فرست بنك فيرست بنك first bank



كفاءة أعلى وسياسة محافظة

قراءة في فلسفة «التجاري وفا – ايجيبت» تجاه بناء قاعدة أصوله في آخر 5 سنوات

FirstBank

حين تنمو أصول بنك ما بأكثر من أربعة أضعاف خلال خمس سنوات، يصبح السؤال الأكثر أهمية ليس حجم النمو ذاته، بل الكيفية التي تحقق بها هذا النمو، فهل جاء عبر التوسع في الأصول مرتفعة المخاطر بحثًا عن عائد أعلى، أم عبر بناء ميزانية أكثر توازنًا واستدامة؟ وتكشف مؤشرات «التجاري وفا –ايجيبت» أن الإجابة لا ترتبط بحجم النمو بقدر ما ترتبط بطبيعة الأصول التي تم توجيه الموارد إليها.

فعلى الرغم من ارتفاع محفظة القروض إلى 70.07 مليار جنيه بنهاية مارس 2026، مقارنة  بـ 22.15 مليار جنيه بنهاية 2020، فإن إجمالي الأصول نما بوتيرة أسرع، لتتراجع نسبة التمويلات إلى إجمالي الأصول من 54.5% بنهاية 2020 إلى نحو 42% بنهاية مارس 2026.

ولا يعكس ذلك تباطؤاً في النشاط الائتماني، بقدر ما يعكس اتجاهاً نحو بناء هيكل أصول أكثر تنوعاً، بما يقلل درجة التركيز داخل الميزانية ويوفر مرونة أكبر في مواجهة التقلبات الاقتصادية دون الإضرار بمستويات السيولة أو قوة المركز المالي.

وتكتسب هذه النقطة أهمية خاصة لأن القروض تمثل بطبيعتها أحد أكثر مكونات الميزانية تعرضاً للمخاطر، ومن ثم فإن تراجع وزنها النسبي يشير إلى أن البنك لم يسعى إلى تعظيم العائد من خلال زيادة الانكشاف على الأصول مرتفعة المخاطر، وإنما اعتمد استراتيجية تقوم على تحقيق النمو بالتوازي مع الحفاظ على التوازن بين العائد والمخاطر.

جودة ائتمانية تتقدم رغم التوسع

ويزداد هذا التوجه وضوحاً عند النظر إلى جودة محفظة القروض، فعادةً ما تكون فترات التوسع السريع مصحوبة بتراجع نسبي في الجودة نتيجة تخفيف معايير المنح والسعي للوصول إلى شرائح جديدة من العملاء، إلا أن البنك نجح في تحقيق توازن لافت، إذ ارتفعت جودة محفظة القروض من 97.15% بنهاية 2020 إلى 98.96% بنهاية مارس 2026.

وتشير هذه المفارقة إلى أن نمو التمويلات لم يكن مدفوعاً بالتوسع الكمي فقط، بل استند إلى قدرة الإدارة على توجيه الموارد نحو عملاء وقطاعات تتمتع بجودة ائتمانية مرتفعة، بما يقلص احتمالات تآكل الأرباح مستقبلاً نتيجة ارتفاع المخصصات أو زيادة معدلات التعثر.

وإذا كانت جودة محفظة القروض تعكس كفاءة إدارة المخاطر الائتمانية، فإن جودة الأصول بشكل عام تعكس فلسفة البنك في توظيف موارده، وفي هذا الإطار ارتفعت جودة محفظة الأصول إلى 99.56% بنهاية مارس 2026، مقابل 98.45% بنهاية 2020، وهو ما يعكس نجاح البنك في الحفاظ على قوة مكوناته الرئيسية بالتزامن مع التوسع الكبير في حجم أعماله، بما يدعم متانة المركز المالي ويعزز قدرته على استيعاب الصدمات المحتملة.

العملات الأجنبية في الميزانية

ومن زاوية أخرى، لا يمكن تقييم هيكل الأصول بمعزل عن مخاطر أسعار الصرف، خاصة في ظل التقلبات التي شهدها الاقتصاد المصري خلال السنوات الأخيرة، فقد ارتفعت نسبة الأصول المقومة بالعملات الأجنبية إلى 22.8% بنهاية مارس 2026، مقابل 17.5% بنهاية 2020، وهو ما يعكس زيادة ارتباط البنك بالأنشطة المرتبطة بالعملة الأجنبية استجابةً لتغيرات السوق وارتفاع الطلب على تلك المعاملات.

إلا أن هذه الزيادة لم تتحول إلى مصدر لمخاطر إضافية، إذ ظلت الأصول المقومة بالعملات الأجنبية تمثل أقل من ربع إجمالي الأصول، وهو ما يشير إلى أن البنك لم يبنِ استراتيجيته على الرهان على تقلبات أسعار الصرف، بل تعامل مع هذا التوسع باعتباره استجابة طبيعية لتغير احتياجات السوق، مع الحفاظ على درجة معقولة من التحوط والتوازن.

كذلك لا تتوقف مخاطر العملات الأجنبية عند حجم الأصول المقومة بها، وإنما ترتبط كذلك بمدى التوازن بينها وبين الالتزامات المقابلة، وفي هذا السياق، بلغت نسبة الأصول بالعملات الأجنبية إلى الالتزامات بالعملات الأجنبية 1.05% بنهاية مارس 2026.

وهو ما يشير إلى وجود قدر من المخاطر المرتبطة بتقلبات أسعار الصرف نتيجة زيادة الأصول الأجنبية عن الالتزامات المناظرة لها، إلا أن محدودية هذا التجاوز تعكس أن حجم الانكشاف يظل نسبيًا، ولا يمثل مصدرًا جوهريًا للمخاطر على المركز المالي للبنك. 

عائد دون مخاطر إضافية

وإذا كان الاتجاه نحو هيكل أصول أكثر تحفظًا يعني نظريًا التخلي عن جزء من الربحية المحتملة، فإن البنك نجح في تقديم نموذج مختلف،  فالعائد على متوسط الأصول ارتفع من 0.94% خلال عام 2020 إلى 2.5% خلال عام 2025، قبل أن يسجل 2.12% خلال الربع الأول من 2026، وهو ما يعكس تحسنًا ملموسًا في كفاءة استخدام الموارد.

والأهم أن هذا التحسن لم يكن مدفوعًا بزيادة التعرض للمخاطر، بل جاء بالتزامن مع ارتفاع جودة محفظة القروض وتحسن جودة الأصول وتراجع الوزن النسبي للتمويلات داخل الميزانية،  وهو ما يعني أن البنك أصبح قادرًا على استخراج عائد أعلى من كل الأصول دون الحاجة إلى رفع مستوى المخاطر المرتبطة بهذا العائد.

ومن ثم، لا يعكس الأداء الذي حققه التجاري وفا – إيجيبت خلال السنوات الأخيرة مجرد توسع في حجم الأعمال، بل يعكس نجاحه في بناء ميزانية أكثر توازناً واستدامة، فالبنك لم يسع إلى تعظيم العائد عبر زيادة المخاطر، كما لم يضحِّ بالربحية في سبيل التحفظ، وإنما نجح في الجمع بين النمو القوي، وارتفاع جودة الأصول، وتحسن مستويات الربحية.

وبذلك، يبدو أن البنك يتبنى نموذجاً أقرب إلى «النمو المتزن»، حيث تُبنى الربحية المستدامة على كفاءة توظيف الموارد والانضباط في إدارة المخاطر، لا على السعي وراء العائد المرتفع مهما كانت تكلفته.