مؤشر «First»: ما وراء «التريليون»!.. قراءة في محركات نمو المركز المالي لـ«العربي الإفريقي» آخر 5 سنوات
First Bank
لا تعكس قوة المراكز المالية للبنوك حجم الأصول وحده، وإنما الكيفية التي تحقق بها هذا النمو ومدى استدامته.
ومن هذا المنطلق، لم يكن تجاوز أصول البنك العربي الإفريقي الدولي حاجز التريليون جنيه لأول مرة في تاريخه مجرد إنجاز رقمي، بل نتيجة لمسار نمو امتد على مدار خمس سنوات، ارتكز على تعزيز مصادر التمويل، وتحسين جودة الأصول، ورفع كفاءة توظيف الموارد، بما انعكس على قوة المركز المالي والربحية.
لذلك، فإن أهمية هذه المرحلة لا تكمن في حجم النمو وحده، بل في الكيفية التي تحقق بها، وما يكشفه عن تطور هيكل التمويل، وجودة الأصول، وقدرة البنك على تحقيق ربحية أعلى.
وتجسد هذا التحول في القفزة التي حققها المركز المالي، حيث ارتفع إجمالي أصول البنك من 225.19 مليار جنيه بنهاية عام 2020 إلى 1.04 تريليون جنيه بنهاية مارس 2026، بزيادة بلغت 818.62 مليار جنيه ومعدل نمو وصل إلى 363.5%، ليقترب حجم الميزانية من أربعة أمثال مستواه قبل 5 سنوات.
غير أن أهمية هذه القفزة لا تكمن في حجمها فقط، وإنما في الكيفية التي تحققت بها، حيث اعتمد البنك بصورة رئيسية على موارده الذاتية، دون اللجوء إلى مصادر تمويل مرتفعة التكلفة، وهو ما منح هذا النمو قدرًا أكبر من الاستدامة.
وكانت ودائع العملاء هي الركيزة الأساسية لهذا التوسع، بعدما ارتفعت من 154.30 مليار جنيه بنهاية عام 2020 إلى 733.27 مليار جنيه بنهاية مارس 2026، محققة زيادة قدرها 578.97 مليار جنيه ومعدل نمو بلغ 375.2%.
وبذلك وفرت الودائع أكثر من 70% من التمويل اللازم لنمو الأصول، لتؤكد أنها لم تكن مجرد بند يتضخم داخل جانب الخصوم، وإنما المحرك الرئيسي الذي استند إليه البنك في بناء ميزانيته الجديدة.
وانعكس ذلك على هيكل التمويل، حيث ارتفعت مساهمة الودائع في تمويل الأصول إلى 70.25% بنهاية مارس 2026، مقابل 68.52% بنهاية عام 2020، في دلالة واضحة على تنامي الاعتماد على الموارد التشغيلية المستقرة.
وفي الوقت نفسه، واصلت حقوق الملكية نموها بوتيرة قوية، لتصل إلى 158.43 مليار جنيه بنهاية مارس 2026، مقابل 32.12 مليار جنيه بنهاية عام 2020، بزيادة بلغت 126.30 مليار جنيه ومعدل نمو وصل إلى 393.2%.
إلا أن هذا النمو، على الرغم من قوته، لم يكن المحرك الرئيسي لتوسع الميزانية، حيث جاءت الزيادة في الودائع بوتيرة أسرع، وهو ما جعل نمو الأصول يرتكز بدرجة أكبر على تنامي الموارد التشغيلية، بما يعكس كفاءة أعلى في إدارة هيكل التمويل.
وإذا كانت الودائع قد مثلت نقطة الانطلاق، فإن طريقة توظيفها تكشف بوضوح فلسفة البنك خلال السنوات الخمس الأخيرة، حيث اتجه جانب كبير من هذه الموارد إلى تعزيز محفظة الاستثمارات المالية، التي قفزت من 71.82 مليار جنيه بنهاية عام 2020 إلى 394.58 مليار جنيه بنهاية مارس 2026، بزيادة بلغت 322.76 مليار جنيه ومعدل نمو وصل إلى 449.4%.
وتشير هذه الأرقام إلى أن أكثر من 55% من الزيادة المحققة في الودائع جرى توجيهها إلى الاستثمارات، في خطوة عكست حرص الإدارة على تعظيم العائد من السيولة المتاحة، والاستفادة من الفرص الاستثمارية التي وفرتها البيئة الاقتصادية خلال تلك الفترة.
وفي المقابل، جاء التوسع في النشاط الائتماني بوتيرة أكثر تحفظًا، ليس نتيجة تراجع شهية البنك للإقراض، وإنما انعكاسًا لأولويات فرضتها طبيعة المرحلة.
فبنهاية عام 2020، كان البنك يواجه تحديًا واضحًا يتمثل في ارتفاع معدل القروض غير المنتظمة إلى نحو 14%، وهو من أعلى المستويات في تاريخه، الأمر الذي جعل تحسين جودة الأصول أولوية تسبق تسريع النمو الائتماني.
ومن هنا، اختارت الإدارة أن تسير في مسارين متوازيين؛ التوسع في التمويلات من جهة، وإعادة بناء جودة المحفظة الائتمانية من جهة أخرى.
وقد أثبتت النتائج نجاح هذا النهج؛ حيث ارتفع صافي قروض العملاء إلى 239.47 مليار جنيه بنهاية مارس 2026، مقابل 65.43 مليار جنيه بنهاية عام 2020، بزيادة بلغت 174.05 مليار جنيه ومعدل نمو وصل إلى 266%.
والأهم من ذلك أن هذا النمو تحقق بالتزامن مع تراجع معدل القروض غير المنتظمة إلى نحو 2% فقط بنهاية مارس 2026، وهو أدنى مستوى يسجله البنك خلال العقد الأخير، بما يعكس أن التوسع الائتماني لم يكن على حساب جودة الأصول، بل جاء مدعومًا بتحسن جوهري في إدارة المخاطر.
ولم يقتصر هذا التحسن على مؤشرات المركز المالي، بل امتد إلى الربحية، حيث ارتفع صافي الأرباح من 1.27 مليار جنيه خلال عام 2020 إلى 17.84 مليار جنيه خلال عام 2025، بزيادة بلغت 16.57 مليار جنيه ومعدل نمو بلغ نحو 1305%، في انعكاس واضح لتحسن الأداء التشغيلي وكفاءة توظيف الموارد.
كما انعكس هذا الأداء على مؤشرات الكفاءة التشغيلية، حيث ارتفع العائد على متوسط الأصول من 0.61% خلال عام 2020 إلى 1.90% خلال عام 2025، فيما قفز العائد على متوسط حقوق الملكية من 0.73% إلى 13.01% خلال الفترة نفسها، بما يؤكد تحسن كفاءة توظيف الأصول ورأس المال وتعظيم العائد منهما.
ومع بداية عام 2026، واصل البنك هذا الأداء القوي، محققًا صافي أرباح بلغ 4.6 مليار جنيه خلال الربع الأول، فيما سجل العائد على متوسط الأصول 1.80%، والعائد على متوسط حقوق الملكية 11.98%، بما يعكس استمرار الزخم التشغيلي والحفاظ على مستويات قوية من الكفاءة والربحية بالتوازي مع اتساع قاعدة أعماله.
وتكشف مؤشرات البنك العربي الإفريقي الدولي خلال السنوات الخمس الماضية أن التحول الذي شهده البنك لم يكن مجرد توسع في حجم الأعمال، وإنما إعادة تشكيل لهيكل ميزانيته ونموذج أعماله. فقد نجح البنك في بناء قاعدة تمويل أكثر قوة، وتحسين جودة محفظته الائتمانية، وتعزيز كفاءة توظيف موارده، بما انعكس على نمو الأصول والربحية في آن واحد.
وتؤكد هذه المؤشرات أن البنك لم يحقق نموًا أكبر فحسب، بل نجح أيضًا في ترسيخ أسس نمو أكثر توازنًا واستدامة، بما يمنحه قاعدة أكثر صلابة لمواصلة التوسع خلال السنوات المقبلة.












