رئيس اتحاد المصارف العربية: مستقبل العمل المصرفي يرتكز على التكامل والامتثال والاستثمار في الكفاءات
أكد محمد محمود الإتربي، رئيس مجلس إدارة اتحاد المصارف العربية والرئيس التنفيذي للبنك الأهلي المصري، أن مواجهة غسل الأموال ومكافحة تمويل الإرهاب تمثل واحدة من أهم القضايا التي تواجه القطاع المالي العالمي، في ظل تزايد التحديات الناتجة عن التطور التكنولوجي، والجرائم المالية العابرة للحدود، واتساع استخدام الأصول الافتراضية والذكاء الاصطناعي.
وجاء ذلك خلال كلمته في المؤتمر العربي الإقليمي لمواجهة غسل الأموال ومكافحة تمويل الإرهاب، المنعقد في بيروت عاصمة لبنان.
وأشار «الإتربي» إلى أن انعقاد المؤتمر في بيروت يحمل دلالة خاصة، باعتبارها عاصمة للحوار المصرفي والمالي العربي، ومنها انطلقت مبادرات مصرفية رائدة أسهمت في ترسيخ التعاون بين المؤسسات المالية العربية.
وأضاف أن اتحاد المصارف العربية، الذي يتخذ من بيروت مقرًا له، استطاع على مدى أكثر من 5 عقود أن يكون منصة عربية جامعة لتعزيز الاستقرار المالي، ونشر ثقافة الامتثال، وبناء شراكات فاعلة مع المصارف المركزية والمنظمات الإقليمية والدولية.
وأوضح «الإتربي» أن اتحاد المصارف العربية يولي قضية مكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب أهمية بالغة، وجعلها في صدارة أولوياته الاستراتيجية، من خلال تعزيز التعاون مع المؤسسات والمنظمات الدولية، وتنظيم المؤتمرات والبرامج المتخصصة، وتأهيل وتطوير الكفاءات المصرفية، ولا سيما مسؤولي الامتثال وإدارة المخاطر، بما يسهم في ترسيخ ثقافة الامتثال والحوكمة وتعزيز سلامة القطاع المصرفي العربي.
وقال «الإتربي» إن توصيات مجموعة العمل المالي (FATF) تشكل الإطار المرجعي العالمي لمكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب وانتشار التسلح، وأصبحت معيارًا أساسيًا لقياس سلامة الأنظمة المالية في مختلف دول العالم.
وأوضح أن السنوات الأخيرة شهدت تطورات مهمة في هذه التوصيات، منها اعتماد النهج القائم على المخاطر، بحيث توجه الموارد الرقابية إلى القطاعات والأنشطة الأكثر تعرضًا للمخاطر.
بالإضافة إلى تعزيز متطلبات الشفافية والإفصاح عن المستفيد الحقيقي لمنع إساءة استخدام الشركات والكيانات القانونية في إخفاء الأموال غير المشروعة، وتشديد الرقابة على الأصول الافتراضية ومزودي خدماتها بعد اتساع استخدام العملات الرقمية في بعض الجرائم المالية.
كما أشار إلى تعزيز التعاون الدولي وتبادل المعلومات بين السلطات الرقابية ووحدات المعلومات المالية وأجهزة إنفاذ القانون، فضلًا عن رفع مستوى فعالية الأنظمة الوطنية، بحيث لا يقتصر التقييم على وجود التشريعات، بل يمتد إلى قياس نتائج تطبيقها عمليًا.
وأكد «الإتربي» أنه لم يعد الامتثال مجرد استجابة لمتطلبات رقابية، بل أصبح جزءًا من الأمن الاقتصادي الوطني، وأحد أهم عناصر الثقة بالنظام المصرفي.
وفي هذا السياق، قال إن لبنان أمام فرصة حقيقية لاستعادة مكانته المالية من خلال تنفيذ خارطة طريق واضحة تؤدي إلى الخروج من اللائحة الرمادية، وذلك عبر استكمال الإصلاحات التشريعية، وتعزيز استقلالية الجهات الرقابية، وتفعيل الملاحقات القضائية في الجرائم المالية، وتحسين مستوى التعاون بين القطاعين العام والخاص، والالتزام الكامل بخطة العمل المتفق عليها مع مجموعة العمل المالي.
وأضاف «الإتربي» أن نجاح هذه الجهود يرتبط أيضًا باستكمال الإصلاحات الاقتصادية والمصرفية، وفي مقدمتها إعادة هيكلة القطاع المصرفي، وترسيخ مبادئ الحوكمة، وتعزيز الشفافية والمساءلة، والتطوير الدائم لأنظمة الامتثال، بما يرفع كفاءة اكتشاف العمليات المشبوهة والاستجابة للمخاطر الناشئة.
وأشار إلى أن المحافظة على علاقات متينة ومستدامة مع البنوك المراسلة تشكل إحدى الركائز الأساسية لاستمرارية عمل القطاع المصرفي وانخراطه في النظام المالي العالمي، موضحًا أن هذه العلاقات لم تعد تُبنى على الملاءة المالية وحدها، بل أصبحت تعتمد بصورة جوهرية على متانة أطر الامتثال، وكفاءة إدارة المخاطر، وفعالية أنظمة مكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب، وجودة الحوكمة والرقابة الداخلية.
وأوضح أن البنوك المراسلة تقيّم شركاءها وفق أعلى المعايير الدولية، بما يضمن سلامة العمليات المالية والحد من المخاطر والالتزام بالمتطلبات التنظيمية العالمية.
ولفت «الإتربي» إلى أن القطاع المصرفي اللبناني، رغم الظروف الاستثنائية التي مر بها خلال السنوات الأخيرة، استطاع الحفاظ على الجزء الأكبر من علاقاته مع البنوك المراسلة الدولية، بفضل التزامه المستمر بتطبيق المعايير الدولية وتعزيز منظومة الامتثال، الأمر الذي أسهم في استمرار انخراطه في النظام المالي العالمي والحفاظ على قنوات التعامل المصرفي عبر الحدود.
وأكد أن الجرائم المالية تتطور بوتيرة سريعة، ولذلك فإن مواجهتها تتطلب شراكة دائمة بين الحكومات، والمصارف المركزية، والقطاع المصرفي، والسلطات القضائية والأمنية، والمنظمات الإقليمية والدولية.
وشدد على أن اتحاد المصارف العربية سيواصل القيام بدوره في دعم هذه الشراكة، وتعزيز التعاون العربي، ونقل أفضل الممارسات الدولية، وبناء القدرات البشرية، بما يرسخ مكانة القطاع المصرفي العربي كشريك موثوق في النظام المالي العالمي.
واختتم «الإتربي» كلامه بالتأكيد على أن مستقبل العمل المصرفي العربي في هذا المجال يجب أن يقوم على 3 محاور رئيسية، هي التكامل العربي، والامتثال الذكي، والاستثمار المستمر في الكفاءات البشرية، باعتبارها الضمانة الحقيقية لحماية الاقتصادات العربية، وتعزيز الثقة بالمؤسسات المالية، وتحقيق التنمية المستدامة.











