أصدر الرئيس عبدالفتاح السيسي قرارا جمهوريا بتجديد تكليف حسن عبدالله قائما بأعمال محافظ البنك المركزي المصري

FirstBank فرست بنك موقع فرست بنك فيرست بنك first bank



4 سنوات تاريخية

ماذا قدم حسن عبد الله لتجدد القيادة السياسية الثقة فيه محافظًا للمركزي لعام جديد؟!

حسن عبدالله محافظ البنك المركزي المصري  FirstBank
حسن عبدالله محافظ البنك المركزي المصري

أصدر الرئيس عبدالفتاح السيسي قرارًا جمهوريًا بتجديد تكليف حسن عبدالله قائمًا بأعمال محافظ البنك المركزي المصري لمدة عام جديد، اعتبارًا من 18 أغسطس 2026، ليواصل بذلك قيادة البنك المركزي للعام الخامس منذ توليه مهام القائم بأعمال المحافظ في أغسطس 2022.

ويأتي تجديد التكليف بعد أربع سنوات شديدة التعقيد، واجه خلالها البنك المركزي المصري مزيجًا من الضغوط التضخمية واختلالات سوق النقد الأجنبي وتداعيات الحرب الروسية الأوكرانية، ثم الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران وما فرضته من مخاطر جديدة على أسعار الطاقة وسلاسل الإمداد والتضخم العالمي. وبين هذه الصدمات المتعاقبة، انتقلت السياسة النقدية من التشديد الحاد إلى إعادة ضبط سوق الصرف، ثم إلى التيسير النقدي، قبل أن تعود إلى التريث مع تغير طبيعة المخاطر.

وتكشف هذه السنوات، في مجملها، عن إدارة اتسمت بقدر واضح من الكفاءة والمرونة في التعامل مع مراحل اقتصادية مختلفة؛ فلم تُدار السياسة النقدية وفق وصفة ثابتة، وإنما تغيرت أدواتها وأولوياتها مع تغير طبيعة المشكلة، وهو ما سمح للبنك المركزي بالانتقال من احتواء الاختلالات الأكثر حدة إلى استعادة قدر أكبر من الاستقرار، ثم إتاحة مساحة لدعم النشاط الاقتصادي عندما سمحت الظروف بذلك.

ففي بداية توليه المسؤولية، كانت الأولوية أمام حسن عبدالله هي احتواء موجة تضخمية متصاعدة والتعامل مع ضغوط متزايدة على سوق النقد الأجنبي، ولذلك اتجه البنك المركزي إلى تشديد الأوضاع النقدية من خلال سلسلة من قرارات رفع أسعار الفائدة على مدار عدة اجتماعات، إلى جانب رفع نسبة الاحتياطي الإلزامي وتطوير آليات السوق المفتوحة لإدارة السيولة.

ولم يكن مسار التشديد قصيرًا أو سهلًا؛ إذ واصل التضخم ارتفاعه خلال المرحلة الأولى، حتى بلغ التضخم الأساسي ذروته التاريخية عند 41% في يونيو 2023، في وقت كانت فيه الضغوط السعرية مرتبطة كذلك باختلالات سوق الصرف وارتفاع تكلفة الواردات ونقص العملة الأجنبية. ولذلك، لم تعد معالجة التضخم مرتبطة بأسعار الفائدة وحدها، وإنما أصبحت تتطلب معالجة مصدر مهم من مصادر الضغوط، وهو اختلال سوق النقد الأجنبي.

ومن هنا جاءت أهمية 6 مارس 2024، باعتباره نقطة التحول الأبرز في إدارة الأزمة، عندما رفع البنك المركزي أسعار الفائدة 600 نقطة أساس، ضمن مسار التشديد الذي شهدته تلك المرحلة، بالتزامن مع الانتقال إلى نظام أكثر مرونة لسعر الصرف.

وكانت أهمية القرار تتجاوز الزيادة الكبيرة في أسعار الفائدة؛ إذ أعاد البنك المركزي في الوقت نفسه صياغة آلية إدارة سوق الصرف، بالسماح لسعر الجنيه بالتحرك بدرجة أكبر وفقًا لقوى العرض والطلب، بعد فترة من الضغوط المتزايدة على سوق النقد الأجنبي.

وساعدت هذه الخطوة على القضاء على الفجوة بين السعر الرسمي والسوق الموازية، وتحسين توافر العملة الأجنبية واستعادة قدر أكبر من الانضباط في سوق الصرف، وهو تطور كان ضروريًا حتى تستعيد السياسة النقدية قدرتها على التركيز بصورة أكبر على استقرار الأسعار بدلًا من استنزاف جانب كبير من أدواتها في إدارة اختلالات سوق الصرف.

وبدأت آثار إعادة ضبط سوق الصرف، إلى جانب التشديد النقدي، تظهر تدريجيًا على التضخم؛ فبعد وصول التضخم الأساسي إلى ذروته البالغة 41% في يونيو 2023، بدأ في مسار هبوطي على المدى اللاحق، ليصل إلى 14.7% في يوليو 2026، رغم تعرضه لموجات من الضغوط خلال الفترة التالية نتيجة التطورات المحلية والخارجية.

وهنا تظهر إحدى أهم نقاط قوة الإدارة النقدية خلال هذه الفترة؛ فالتعامل مع التضخم لم يقتصر على رفع الفائدة، وإنما جرى بالتوازي مع إصلاح اختلالات سوق الصرف وإدارة السيولة وتحسين توافر النقد الأجنبي. وهذا التكامل بين الأدوات كان أكثر أهمية من أي أداة منفردة في إعادة التضخم إلى مسار أكثر انضباطًا.

وبالتوازي مع ذلك، بدأ التحسن في سوق النقد الأجنبي ينعكس على المركز الخارجي للاقتصاد والجهاز المصرفي، إذ ارتفع صافي الاحتياطيات الدولية إلى 56.29 مليار دولار بنهاية يوليو 2026، وهو أعلى مستوى له على الإطلاق، مقابل 33.14 مليار دولار بنهاية أغسطس 2022، بزيادة قدرها 23.15 مليار دولار، ومعدل نمو بلغ 69.9%.

ولم يقتصر التحسن على الاحتياطي الرسمي، وإنما امتد إلى المركز الأجنبي للجهاز المصرفي، إذ تحول صافي الأصول الأجنبية لدى القطاع المصرفي من صافي التزامات بلغ نحو 20.3 مليار دولار في أغسطس 2022 إلى فائض في صافي الأصول الأجنبية قدره 28 مليار دولار بنهاية يونيو 2026.

ويعد هذا التحول من أهم المؤشرات على تغير طبيعة أزمة النقد الأجنبي؛ فالمسألة لم تعد مجرد زيادة في الاحتياطي لدى البنك المركزي، وإنما تحسن أيضًا المركز الخارجي للبنوك نفسها، بما عزز قدرتها على تلبية احتياجات العملاء من العملة الأجنبية وامتصاص الصدمات الخارجية.

ومع تراجع التضخم وتحسن سوق الصرف وتغير طبيعة المخاطر، بدأت السياسة النقدية في الانتقال تدريجيًا من مرحلة التشديد إلى مرحلة التيسير. وهذه النقلة لم تكن منفصلة عن المرحلة السابقة، وإنما جاءت نتيجة مباشرة لتحسن الظروف التي استهدفت السياسة النقدية بناءها خلال سنوات التشديد.

وخلال 2025، بدأ البنك المركزي دورة تيسير نقدي واسعة، خفّض خلالها أسعار الفائدة بإجمالي 725 نقطة أساس على مدار عدة اجتماعات، في تحول واضح من احتواء التضخم والاختلالات إلى خفض تكلفة التمويل وإتاحة مساحة أكبر أمام الائتمان والاستثمار والنشاط الاقتصادي.

واستمر الاتجاه نحو التيسير خلال 2026، إذ خفّض البنك المركزي أسعار الفائدة 100 نقطة أساس في اجتماع فبراير، إلا أن استمرار دورة الخفض لم يكن أمرًا تلقائيًا، خاصة مع عودة المخاطر الخارجية إلى واجهة المشهد الاقتصادي.

فمع اندلاع الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران، برزت مخاطر جديدة مرتبطة بأسعار الطاقة وسلاسل الإمداد والتضخم العالمي، وهو ما فرض على السياسة النقدية إعادة تقييم سرعة التيسير. ولذلك أبقى البنك المركزي أسعار الفائدة دون تغيير خلال اجتماعات لجنة السياسة النقدية الثلاثة الأخيرة، المنعقدة في 2 أبريل و21 مايو و9 يوليو 2026. وقد انعكست الحرب بالفعل على البيئة الاقتصادية العالمية عبر ارتفاع مخاطر الطاقة وتجدد الضغوط التضخمية، وهو ما جعل الحذر النقدي أكثر مبررًا.

وبذلك، فإن مسار أسعار الفائدة خلال السنوات الأربع لا يمكن قراءته باعتباره مجرد سلسلة من الارتفاعات والانخفاضات، وإنما باعتباره انعكاسًا لتغير وظيفة السياسة النقدية نفسها؛ فقد بدأت بتشديد واسع لمواجهة التضخم واختلالات سوق الصرف، ثم استمرت في التشديد بالتزامن مع إعادة ضبط سوق النقد الأجنبي، قبل أن تنتقل إلى التيسير عندما سمحت المؤشرات بذلك، ثم تتوقف مؤقتًا عندما عادت المخاطر الخارجية إلى الواجهة.

وانعكست هذه التحولات على القطاع المصرفي بصورة لافتة، إذ شهدت البنوك العاملة في مصر توسعًا كبيرًا في حجم الأعمال، بالتوازي مع تحسن مؤشرات السلامة المالية.

فارتفعت أصول البنوك العاملة في مصر إلى 26.89 تريليون جنيه بنهاية مارس 2026، مقابل 10.51 تريليون جنيه بنهاية أغسطس 2022، بزيادة قدرها 16.38 تريليون جنيه، ومعدل نمو بلغ 155.8%.

وارتفعت ودائع العملاء إلى 16.88 تريليون جنيه بنهاية مارس 2026، مقابل 7.63 تريليون جنيه بنهاية أغسطس 2022، بزيادة قدرها 9.25 تريليون جنيه، ومعدل نمو بلغ 121.2%.

وفي الوقت نفسه، قفزت محفظة قروض العملاء إلى 11.39 تريليون جنيه بنهاية مارس 2026، مقابل 3.64 تريليون جنيه بنهاية أغسطس 2022، بزيادة قدرها 7.75 تريليون جنيه، ومعدل نمو بلغ 212.6%، بما يعكس اتساع قدرة الجهاز المصرفي على توفير التمويل للنشاط الاقتصادي.

كما ارتفع رأس مال البنوك إلى 739.13 مليار جنيه بنهاية مارس 2026، مقابل 277.91 مليار جنيه بنهاية أغسطس 2022، بمعدل نمو بلغ نحو 166%، بما عزز قاعدة رأس المال وقدرة البنوك على استيعاب التوسع في النشاط ومواجهة المخاطر.

والأهم أن هذا التوسع الكبير في حجم الميزانيات لم يصاحبه تدهور في جودة الأصول، بل تراجع معدل القروض غير المنتظمة إلى 1.9% بنهاية مارس 2026، مقابل 3.3% بنهاية يونيو 2022، ليسجل أدنى مستوى له على الإطلاق.

وهنا تبرز قيمة النمو المصرفي خلال هذه الفترة؛ فزيادة الأصول والودائع والائتمان ورؤوس الأموال لم تأتِ منفصلة عن مؤشرات السلامة المالية، وإنما تزامنت مع تحسن جودة الأصول، بما يشير إلى أن القطاع المصرفي لم يكتفِ بتوسيع حجمه، وإنما عزز في الوقت نفسه قدرته على تحمل المخاطر واستيعاب النمو.

وامتد التطور إلى قاعدة المتعاملين مع الجهاز المالي، بالتزامن مع تسارع التحول الرقمي، إذ ارتفعت نسبة الشمول المالي إلى 79% بنهاية يونيو 2026، مقابل 60.5% بنهاية يونيو 2022.

ووصل عدد المواطنين الذين يمتلكون حسابات نشطة تمكنهم من إجراء معاملات مالية إلى نحو 56.4 مليون مواطن من إجمالي 71.4 مليون مواطن في الفئة العمرية 15 عامًا فأكثر، وتشمل هذه القاعدة الحسابات البنكية وحسابات البريد ومحافظ الهاتف المحمول والبطاقات المدفوعة مقدمًا.

كما ارتفعت نسبة الشمول المالي للمرأة من 54.1% عام 2016 إلى 72.5% بنهاية يونيو 2026، بما يعكس اتساع قاعدة المستفيدين من الخدمات المالية الرسمية وتنوع الأدوات المتاحة أمامهم.

ولا يمكن فصل هذا التطور عن التحول الأوسع في بنية الجهاز المالي؛ فزيادة قاعدة المتعاملين وانتشار الأدوات الرقمية عززا قدرة القطاع الرسمي على الوصول إلى شرائح أوسع من المجتمع، ووسعا نطاق استخدام الخدمات المالية والمدفوعات الإلكترونية.

وتوجت هذه الفترة بإشادات دولية، كان أبرزها اختيار حسن عبدالله من جانب مجلة The Banker كأفضل محافظ بنك مركزي في إفريقيا لعام 2025، إلى جانب إدراجه من جانب مجلة Global Finance ضمن أفضل محافظي البنوك المركزية في الشرق الأوسط وإفريقيا لعام 2024.

وتكتسب هذه الإشادات وزنًا أكبر عند النظر إلى طبيعة الظروف التي تمت خلالها إدارة البنك المركزي؛ إذ لم تكن السنوات الأربع فترة استقرار نقدي تقليدية، وإنما بدأت بأزمة تضخم ونقد أجنبي، ثم شهدت إعادة ضبط لسوق الصرف وتشديدًا نقديًا واسعًا، أعقبه تحسن في المؤشرات وانتقال إلى التيسير، قبل أن تفرض الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران مخاطر جديدة أعادت السياسة النقدية إلى مساحة أكبر من الحذر.

وبالنظر إلى التجربة ككل، فإن نقطة القوة الرئيسية في إدارة حسن عبدالله لا تكمن في ارتفاع الاحتياطيات أو تراجع التضخم أو نمو القطاع المصرفي كل على حدة، وإنما في القدرة على تغيير أدوات السياسة النقدية وأولوياتها وفقًا لطبيعة الصدمة.

ففي المرحلة الأولى، كان المطلوب احتواء التضخم ومعالجة اختلالات سوق الصرف، ولذلك جاء التشديد النقدي وإعادة ضبط سوق النقد الأجنبي في مقدمة الأولويات. ومع نجاح هذه الإجراءات في تحسين أوضاع السوق وتراجع الضغوط التضخمية وتحسن المركز الخارجي، أصبحت الأولوية مختلفة، وانتقلت السياسة النقدية إلى خفض الفائدة ودعم النشاط الاقتصادي. وعندما تغيرت البيئة الخارجية مجددًا مع الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران، لم تستمر دورة التيسير بصورة آلية، وإنما عاد البنك المركزي إلى التريث.

وهذا تحديدًا ما يجعل تقييم السنوات الأربع أكثر ارتباطًا بكفاءة إدارة السياسة النقدية وليس بمجرد حركة المؤشرات؛ فالإدارة الكفء لا تعني الحفاظ على اتجاه واحد للفائدة أو تحقيق انخفاض مستمر في التضخم بمعزل عن الظروف المحيطة، وإنما تعني القدرة على تشخيص طبيعة الخطر، واستخدام الأداة المناسبة في التوقيت المناسب، ثم تعديل المسار عندما تتغير الظروف.

وفي الوقت نفسه، انعكس هذا النهج على الجهاز المصرفي في صورة نمو قوي في الأصول والودائع والائتمان ورؤوس الأموال، بالتزامن مع تحسن جودة الأصول، بينما شهدت قاعدة المتعاملين مع القطاع المالي توسعًا واضحًا، مدفوعة بنمو الشمول المالي والخدمات الرقمية.

ومن هنا، يأتي تجديد تكليف حسن عبدالله لعام جديد في ظل انتقال البنك المركزي من مرحلة كانت الأولوية فيها هي احتواء اختلالات حادة في التضخم والنقد الأجنبي إلى مرحلة أصبح فيها التحدي أكثر ارتباطًا بالحفاظ على المكاسب التي تحققت، وإدارة المخاطر الخارجية، واستكمال خفض التضخم، مع الحفاظ على استقرار سوق الصرف.

ويبقى التحدي الأكبر للمرحلة المقبلة هو تحويل الاستقرار النقدي والمالي الذي جرى بناؤه خلال السنوات الماضية إلى مساحة أوسع للنمو الاقتصادي؛ بما يعني الحفاظ على التضخم في مسار هبوطي، وتعزيز ثقة المتعاملين في سوق الصرف، ومواصلة دعم متانة القطاع المصرفي، وفي الوقت نفسه إتاحة التمويل بصورة أكبر للقطاعات الإنتاجية والاستثمار، بحيث لا يكون نجاح السياسة النقدية مقاسًا فقط بقدرتها على احتواء الأزمات، وإنما أيضًا بقدرتها على تهيئة بيئة أكثر استقرارًا تسمح للاقتصاد بالنمو بصورة مستدامة.