أخضر: من الأحق بالموارد الذكاء الاصطناعي أم البشرية؟
First Bank
يشهد العالم تطورات تكنولوجية غير مسبوقة خلال العقود الأخيرة، إذ ظهرت تقنيات لم يكن يتوقع أحد انتشارها بهذه السرعة، من الهواتف الذكية إلى السيارات الكهربائية وغيرها من ابتكارات العقدين الأخيرين، ومع ذلك يُعد الذكاء الاصطناعي "رغم حداثة ظهوره" الأسرع نموًا وتأثيرًا؛ إذ يقفز بخطوات غير مسبوقة نحو مراحل متقدمة، وسط توقعات بتجاوز الإنفاق العالمي على بنيته التحتية ومراكز بياناته حاجز 400 مليار دولار خلال السنوات القليلة القادمة.
وتستند هذه الصناعة بشكل شبه كامل إلى الكهرباء، فمراكز البيانات هي العمود الفقري للذكاء الاصطناعي، إذ تقوم بتخزين البيانات، ويُدرب داخلها كل نموذج، ومنها تُشغل خدماته للمستخدمين، ومع تسارع الاستثمارات، يتزايد الطلب على الكهرباء بمعدل يفوق توقعات معظم المؤسسات الدولية، مما يدفعنا إلى سؤال حساس ألا وهو "هل ستذهب الطاقة المتولدة مستقبلًا لتلبية احتياجات الإنسان الأساسية أم لتغذية النمو الرقمي؟".
ووفقًا لتقديرات الوكالة الدولية للطاقة «IEA»، فإن استهلاك مراكز البيانات عالميًا بلغ نحو 460 تيراواط/ساعة في عام 2022، وهو رقم مرشح للارتفاع إلى ما بين 620 إلى 1050 تيراواط/ساعة بحلول 2026 بسبب الذكاء الاصطناعي وحده، أي ما يعادل تقريباً استهلاك دولة بحجم اليابان.
وتحذر الدراسات من أن نماذج الذكاء الاصطناعي التوليدية تستهلك طاقة تفوق نماذج التعلم التقليدي بأضعاف، لأن كل طلب واحد للمستخدم يمر عبر مئات وربما آلاف العمليات الحسابية المتوازية، وقد بينت دراسة لجامعة ماساتشوستس أن تدريب نموذج واحد ضخم قد يطلق انبعاثات تعادل قيادة سيارة لعشرات السنوات.
وفي الوقت الذي تتسابق فيه الشركات في وادي السيليكون والصين وكوريا الجنوبية لبناء مراكز بيانات ضخمة، لا تزال دول عديدة تصارع لتوفير الحد الأدنى من الكهرباء، فوفقًا لتقرير البنك الدولي لعام 2024، هناك أكثر من 700 مليون شخص حول العالم لا يحصلون على كهرباء مستقرة، وفي دول مثل السودان واليمن والكونغو، يصبح الحصول على كهرباء تكفي لتشغيل مستشفى أو محطة مياه أمرًا أكثر تعقيدًا من تشغيل مركز بيانات ضخم في أوروبا أو أمريكا.
كما يؤدي نمو مراكز البيانات إلى زيادة الاعتماد على الوقود الأحفوري لعدم قدرة مصادر الطاقة المتجددة على النمو بالوتيرة نفسها. وتشير IEA إلى أن هذه المراكز مسؤولة بالفعل عن نحو 2% من الانبعاثات العالمية — وهي نسبة مرشحة للارتفاع إن لم تتسع مشاريع الطاقة النظيفة بوتيرة أكبر.
ما يثير الدهشة أن شركات الذكاء الاصطناعي مثل جوجل ومايكروسوفت، ومراكز تطويره التي يُعول عليها للمساهمة في حل أزمة المناخ وتحسين الانبعاثات الكربونية عقب إعلانها خططًا للوصول إلى "صفر انبعاثات" بحلول 2030، فإن الواقع يشير إلى صعوبة تحقيق ذلك دون تغييرات جذرية في أنظمة الطاقة العالمية.
ولا يقتصر استهلاك الذكاء الاصطناعي على الكهرباء فقط، فمراكز البيانات تحتاج إلى كميات ضخمة من المياه العذبة لتبريد الخوادم، وتوضح تقارير عالمية أن استهلاك المراكز في المناطق الحارة قد يصل إلى 3–5 ملايين لتر يوميًا، بينما كشفت تقارير مايكروسوفت أن استهلاكها العالمي للمياه ارتفع بأكثر من 34% خلال عام واحد فقط بسبب توسع خدمات الذكاء الاصطناعي. وفي وقت تتنافس فيه الدول على المياه للشرب والزراعة، يطالب الذكاء الاصطناعي بنصيبه من الموارد باعتباره محركًا للاقتصاد الرقمي.
ويضاف إلى ذلك الطلب الهائل على المعادن النادرة اللازمة لصناعة الرقائق مثل: الليثيوم، والكوبالت، والنحاس، والذهب وغيرها، وهي مواد ذات دورة حياة قصيرة واستخراجها يسبب تلوثًا كبيرًا، ومع تضاعف الطلب العالمي على الرقائق، يتوقع أن تواجه الدول النامية "التي تأتي منها معظم هذه المعادن" ضغوطًا بيئية واقتصادية متزايدة.
ورغم كل هذه التحديات، لا يمكن إنكار أن الذكاء الاصطناعي يمتلك قدرات قد تُحدث تحولًا إيجابيًا واسعًا إذا أُدير بشكل رشيد؛ فهو يسهل تحليل البيانات الصحية وتشخيص الأمراض مبكرًا، ويرفع كفاءة الأنظمة الزراعية عبر ترشيد استهلاك المياه، ويسهم في تنظيم شبكات النقل والمواصلات، كما يتيح معالجة كميات ضخمة من البيانات في دقائق بدل شهور من العمل البشري.
ومع ذلك، فإن هذه الفوائد "رغم أهميتها" تحتاج إلى إدارة واعية تضمن ألا تأتي ثورة الذكاء الاصطناعي على حساب البشر أو الموارد الأساسية إذ يتوقع البنك الدولي أن 40% من الوظائف في أمريكا اللاتينية ومنطقة الكاريبي ستتأثر مباشرة بهذه الثورة، كما يجب توظيف هذه القدرات الهائلة بطريقة تعزز التنمية بدل من خلق فجوات جديدة.
كما قد يُستغل الذكاء الاصطناعي في توليد هجمات إلكترونية متقدمة أو محتوى زائف، إضافة إلى الاعتماد العسكري المفرط عليه، ما قد يشعل صراعات بسبب سرعة اتخاذ القرار الآلي دون حسابات بشرية كافية.
ويرى بعض العلماء أن الذكاء الاصطناعي من أهم ابتكارات العصر، لكنه قد يوسع الفجوة بين الدول النامية والمتقدمة إذا لم يُدار بإحكام ووفق سياسة رشيدة، فالرأسمالية تُكافئ الإنتاجية، لكن الاعتماد المفرط على الأتمتة قد يخلق انحرافات خطيرة عبر تهميش البشر ورفع معدلات البطالة.
وبالنظر إلى الأرقام المتصاعدة لاستهلاك الكهرباء، والسباق المحموم لبناء مراكز بيانات جديدة، والاستثمارات الضخمة الموجهة للقطاع دون عائدات آنية واضحة، يحذر بعض الاقتصاديين من احتمال تشكل "فقاعة تقنية" جديدة تشبه فقاعة "الدوت كوم" مطلع الألفية، فالمنافسة الشرسة بين الشركات على شراء الأراضي، وارتفاع تكاليف الطاقة والتبريد والرقائق، إلى جانب غياب استقرار سياسي واقتصادي عالمي، قد تؤدي إلى تضخم في تقييمات شركات الذكاء الاصطناعي يتجاوز قيمتها الحقيقية، ما يجعل السوق معرضًا لهزّة كبيرة إذا تباطأ النمو الفعلي أو ظهرت قيود على الموارد.
وختامًا، لمواجهة أزمة الموارد العالمية والحد من الانبعاثات، يصبح لزامًا على الدول والشركات تبني حلول متكاملة تشمل ربط مراكز البيانات مباشرة بمزارع الطاقة الشمسية والرياح، وإلزام الشركات بإعادة تدوير المياه بنسب مرتفعة، وفرض ضرائب على الاستهلاك المفرط للطاقة، إلى جانب التوسع في قدرات الطاقة المتجددة بوتيرة تفوق نمو مراكز البيانات، واتباع سياسات أخلاقية تحكم استخدام الذكاء الاصطناعي وتمنع التوظيف المفرط وغير المسؤول له، فالمستقبل لن يكون سباقًا بين الإنسان والآلة، بل سباقًا بين من يملك الموارد ومن يحسن إدارتها بكفاءة.











