أخضر: من يزرع ومن يجوع؟ الأمن الغذائي بين الموارد والتكنولوجيا
يشهد العالم اليوم أزمة غذاء متصاعدة تُهدد بإحداث تحولات جذرية في موازين الأمنين الاقتصادي والاجتماعي، إذ يعيش أكثر من 735 مليون شخص حول العالم في حالة انعدام أمن غذائي حاد، وفقًا لتقرير منظمة الأغذية والزراعة للأمم المتحدة «FAO» لعام 2024.
ومع اتساع الفجوة بين ما يمتلكه العالم من موارد طبيعية وما يحتاجه فعليًا من غذاء، تتباين قدرة الدول على مواجهة الأزمة تبعًا لمدى اعتمادها على البحث العلمي في إدارة مواردها. فبينما استطاعت بعض الدول تحويل تحدياتها إلى فرص من خلال الاستثمار في التكنولوجيا الزراعية، ما زالت دول أخرى رغم امتلاكها مقومات طبيعية هائلة عاجزة عن تحقيق الاكتفاء الذاتي.
وتُعد مصر والسودان مثالين بارزين لهذا التباين، فهما من الدول التي تتمتع بمقومات طبيعية نادرة في العالم؛ أراضٍ خصبة تمتد على ضفاف نهر النيل، ومناخ زراعي متنوع، وموقع جغرافي يسمح بإنتاج محاصيل متعددة على مدار العام، حيث أن هذه الثروات الطبيعية كانت كفيلة بأن تجعل المنطقة سلة غذاء للشرق الأوسط وإفريقيا، غير أن العقود الماضية شهدت تراجعًا في الإنتاجية الزراعية نتيجة ضعف البنية التحتية، وتراجع كفاءة نظم الري، وتباطؤ وتيرة إدخال التكنولوجيا الحديثة في الزراعة.
فوفقًا لبيانات البنك الدولي، لا يتجاوز نصيب القطاع الزراعي من الناتج المحلي في مصر 11% رغم أن القطاع يستوعب أكثر من 20% من القوى العاملة، بينما تُهدر سنويًا كميات كبيرة من المياه بسبب الأساليب التقليدية في الري.
ومع ذلك، بدأت مصر في السنوات الأخيرة خطوات جادة نحو استعادة مكانتها الزراعية عبر مشروعات قومية مثل «الدلتا الجديدة» و«مستقبل مصر الزراعي»، التي تستهدف التوسع الأفقي باستخدام نظم ري حديثة تعتمد على الطاقة الشمسية وتحسين كفاءة استخدام المياه، بما يعكس توجهًا نحو ربط المقومات الطبيعية بالتكنولوجيا الحديثة لتحقيق استدامة حقيقية في الأمن الغذائي.
وفي المقابل، تُعد هولندا نموذجًا مدهشًا لكيفية تحويل التحديات إلى فرص، فهذه الدولة الصغيرة التي لا تمتلك أراضي شاسعة ولا مناخًا مثاليًا للزراعة، استطاعت بفضل البحث العلمي والتكنولوجيا أن تصبح ثاني أكبر مصدر للمنتجات الزراعية في العالم بعد الولايات المتحدة، بإجمالي صادرات تتجاوز 120 مليار يورو سنويًا.
وتعتمد التجربة الهولندية على الزراعة الذكية باستخدام الأنظمة الرأسية والزراعة داخل البيوت الزجاجية الذكية التي تقلل استهلاك المياه بنسبة 90%، وتزيد الإنتاجية أضعافًا مضاعفة مقارنة بالأساليب التقليدية، كما تقوم التجربة على التكامل الوثيق بين الجامعات ومراكز الأبحاث والمزارع التطبيقية، مما جعل الابتكار الزراعي جزءًا من الثقافة الوطنية، وأثبت أن العلم قادر على تعويض نقص الموارد الطبيعية عندما تتوفر الرؤية والاستثمار.
ولكن المفارقة الصارخة تظهر في السودان، إحدى أكثر الدول امتلاكًا للمقومات الزراعية في إفريقيا، إذ تمتلك أكثر من 200 مليون فدان من الأراضي الصالحة للزراعة، إضافة إلى وفرة المياه والتربة الغنية، ومع ذلك تعاني البلاد اليوم من أزمة غذاء حادة، حيث يواجه أكثر من 20 مليون سوداني خطر الجوع بحسب برنامج الأغذية العالمي «WFP».
فالصراعات السياسية، وضعف البنية التحتية، ونقص التمويل، جعلت هذه الثروة الزراعية الهائلة بلا استغلال حقيقي، كما أدى غياب سلاسل الإمداد اللوجستية وضعف التسويق الزراعي إلى حرمان المزارعين من تصريف إنتاجهم، مما فاقم الأزمة رغم وفرة الموارد، وهكذا تدفع الشعوب ثمن غياب الاستقرار والحوكمة.
وفي الوقت الذي يتجه فيه اهتمام العالم نحو الأزمات الاقتصادية والديون والسياسات النقدية، يغيب التركيز على جوهر الصراع الحقيقي «الغذاء».
ويُجمع الخبراء على أن مستقبل الأمن الغذائي لن يتحقق بالموارد الطبيعية وحدها، بل من خلال تكامل ثلاثي بين العلم، والسياسة، والاقتصاد، فالتقنيات الزراعية الحديثة «مثل نظم الري بالتنقيط والطاقة الشمسية للضخ، والزراعة الرقمية المعتمدة على تحليل البيانات»، يمكن أن تحول الدول النامية إلى مراكز إنتاج غذائي إذا ما توافرت الإرادة السياسية والاستثمار في رأس المال البشري.
وتشير تقارير الـ«FAO» إلى أن كل دولار يُستثمر في الابتكار الزراعي يحقق عائدًا اقتصاديًا واجتماعيًا يتجاوز ثلاثة أضعاف قيمته، فيما تشير التقديرات إلى أن المنطقة العربية قد تواجه عجزًا غذائيًا متوقعًا يتجاوز 60% بحلول عام 2030، ما لم تُسرع وتيرة التحول نحو الزراعة الذكية والمستدامة، وتستفيد من الابتكارات الحديثة مثل الزراعة بالذكاء الاصطناعي، والطائرات المسيرة لمراقبة المحاصيل، واستخدام المياه المالحة في الري، وهي تقنيات باتت تفتح آفاقًا جديدة أمام الدول التي تفتقر إلى الموارد التقليدية.
ومع ذلك، فإن التحديات أمام الدول النامية لا تزال كبيرة، فعدم الاستقرار السياسي وتراجع التمويل الزراعي وتغير المناخ كلها عوامل تهدد تحقيق هذا التكامل، بينما الدول المتقدمة، التي تمتلك التكنولوجيا والمعرفة، قادرة على تعزيز إنتاجها رغم محدودية مواردها الطبيعية.
ويبرز هنا بُعد آخر لا يقل أهمية، وهو «العدالة الغذائية»، حيث تستهلك الدول الغنية أكثر من نصف الإنتاج العالمي من الغذاء، بينما تعاني الدول الفقيرة من الجوع وسوء التغذية، ما يعمق الفجوة بين الشمال والجنوب ويجعل الأمن الغذائي قضية إنسانية بقدر ما هي اقتصادية.
هذا التفاوت لا يعني استحالة الوصول إلى حل، بل يبرز الحاجة إلى نظام عالمي متكامل يربط بين القدرات الطبيعية للدول النامية والخبرة الصناعية للدول المتقدمة، لضمان توزيع عادل للمعرفة والموارد، فالأمن الغذائي لم يعد قضية زراعية بحتة، بل أصبح ركيزة من ركائز الأمن القومي، إذ يُعد التحكم في الغذاء أحد أهم أدوات النفوذ السياسي والاقتصادي في القرن الـ21.
وختامًا، يمكننا القول أن، العالم يقف اليوم أمام مفترق طرق حقيقي، إما أن يختار الاستثمار في الأمن الغذائي كضمان لبقاء الإنسانية، أو يستمر في تجاهل جوهر الأزمة حتى تتسع الفجوة بين من يزرع ومن يجوع، حيث بات تحقيق الأمن الغذائي معركة وجود تتجاوز حدود الحقول إلى مختبرات البحث العلمي ومراكز صنع القرار، فإما أن نستثمر في المعرفة والتكنولوجيا لنؤمن غذاءنا، أو نترك الجوع يرسم مستقبل العالم.










