«First Bank» يحلل تداعيات الصدمات الجيوسياسية على الأسواق العالمية وانعكاساتها على الاقتصاد المصري
أدهم محمد
يشهد الاقتصاد العالمي تصاعدًا واضحًا في حدة التوترات الجيوسياسية، مع اتساع نطاق الصراعات من أوروبا الشرقية إلى الشرق الأوسط وآسيا، غير أن بؤرة التأثير الأبرز في المرحلة الحالية تتركز في تصاعد التوترات في الشرق الأوسط بين الولايات المتحدة وإيران وإسرائيل، لما لها من انعكاسات مباشرة وسريعة على أسواق الطاقة والتجارة العالمية وسلاسل الإمداد.
وفقًا لبيانات World Uncertainty Index (WUI) الصادرة عن موقعه الرسمي، سجل «مؤشر عدم اليقين العالمي» خلال شهر فبراير 2026 مستوى مرتفعًا بلغ 83,844 نقطة، ليظل عند مستويات تاريخية تعكس تصاعد حالة عدم اليقين في الاقتصاد العالمي. متجاوزًا ما سُجل خلال أحداث هجمات 11 سبتمبر، والأزمة المالية العالمية 2008، وكذلك أزمة جائحة كوفيد-19 في عام 2020، وهو ما يعكس اتساع نطاق الضبابية التي تحيط بآفاق الاقتصاد العالمي.
نتيجة هذه الصراعات الجيوسياسية المتصاعدة في الشرق الأوسط، أدى ذلك إلى تعطيل حركة مضيق هرمز، أحد أهم الممرات البحرية الاستراتيجية عالميًا، حيث يمر عبره نحو 21 مليون برميل من النفط يوميًا، بما يمثل ما يقرب من 20% (خُمس) الإمدادات العالمية من النفط السائل، وهو ما أحدث صدمة مباشرة في أسواق الطاقة العالمية نظرًا لاعتماد سلاسل الإمداد الدولية عليه بشكل كبير.
و انعكاسًا لذلك شكل تعطل هذا الممر الحيوي العامل الرئيسي في دفع أسعار النفط إلى الارتفاع، حيث ارتفع خام برنت من مستويات تقارب 70 دولارًا للبرميل إلى ذروة بلغت نحو 119 دولارًا للبرميل خلال موجات التصعيد الجيوسياسي، قبل أن يتراجع لمستويات نحو 103 دولارات للبرميل بتاريخ 31 مارس 2026، بما يعكس استمرار حالة التقلب الحادة في أسواق الطاقة.
ووفقًا لمنطمة التجارة العالمية تتوقع أنه إذا استمرت أسعار النفط عند مستوياتها المرتفعة، فإن ذلك سينعكس بشكل مباشر على حركة التجارة العالمية. وتشير التقديرات إلى إمكانية خفض نمو تجارة السلع بنحو 0.5 نقطة مئوية من المستوى المتوقع عند 1.9% في عام 2026، بما يعكس التأثير المباشر لارتفاع تكاليف الطاقة والشحن على النشاط التجاري العالمي.
وفي السياق ذاته، قد يمتد هذا الأثر ليشمل تجارة الخدمات، التي يُتوقع أن تتراجع وتيرة نموها بنحو 0.7 نقطة مئوية خلال عام 2026، مدفوعة بارتفاع تكاليف النقل والسفر الدولي، وزيادة أسعار الوقود والطيران، إلى جانب تصاعد حالة عدم اليقين في سلاسل الإمداد والممرات التجارية.
وتمتد التغيرات في الاقتصاد العالمي إلى الاقتصاد المصري، من خلال زيادة فاتورة استيراد الطاقة، حيث ارتفعت من نحو 1.2 مليار دولار قبل اندلاع الحرب في شهر يناير، إلى حوالي 1.5 مليار دولار في فبراير، قبل أن تتضاعف بشكل ملحوظ لتصل إلى نحو 2.5 مليار دولار في مارس، بما يعكس زيادة تقارب 108% خلال فترة قصيرة، وهو ما يوضح حدة الصدمة في أسواق الطاقة وسرعة انتقال أثرها إلى الاقتصاد المصري.
وينعكس ذلك في ارتفاع تكاليف الإنتاج في العديد من القطاعات الاقتصادية داخل مصر، خاصة الصناعات الثقيلة وقطاع الكهرباء. كما تؤدي زيادة أسعار الوقود إلى ارتفاع تكلفة تشغيل المصانع، وارتفاع تكاليف توليد الكهرباء والتدفئة واستيراد المواد البترولية، وهو ما ينعكس في النهاية على ارتفاع أسعار السلع والخدمات داخل الأسواق المحلية.
وفي هذا السياق، تتزايد الضغوط التضخمية نتيجة انتقال أثر ارتفاع أسعار الطاقة عبر مختلف حلقات الإنتاج والتوزيع، بما يساهم في تقليص القدرة الشرائية للأفراد، مع تحميل ضغوط إضافية على الفئات منخفضة الدخل الأكثر تأثرًا بتقلبات الأسعار.
كما قد يحد هذا المسار من التوقعات الإيجابية السابقة بشأن وتيرة تراجع معدلات التضخم خلال الفترة المقبلة، خاصة في ظل استمرار صدمات جانب العرض. وكان من المتوقع في وقت سابق أن يتجه معدل التضخم تدريجيًا نحو مستهدف البنك المركزي المصري البالغ 7% (±2 نقطة مئوية) بحلول الربع الرابع من عام 2026، إلا أن التطورات الجيوسياسية وارتفاع أسعار الطاقة قد تعيد تشكيل هذا المسار بشكل أكثر حذرًا وتأخرًا.
السياق النقدي العالمي وتداعياته على أسواق المال
تواجه البنوك المركزية الكبرى، وعلى رأسها الاحتياطي الفيدرالي الأمريكي والبنك المركزي الأوروبي، تحديًا مزدوجًا يتمثل في كبح التضخم من جهة، وعدم الإضرار بمعدلات النمو من جهة أخرى. وفي هذا الإطار، أبقى الاحتياطي الفيدرالي الأمريكي على أسعار الفائدة دون تغيير في مارس 2026 ضمن نطاق 3.50% – 3.75%، مؤكدًا أولويته القصوى في كبح التضخم المرتفع رغم تصاعد المخاطر الجيوسياسية.
وقد انعكس هذا التوجه النقدي بشكل مباشر على أسواق المال العالمية، حيث أدت إعادة تسعير توقعات الفائدة إلى زيادة حدة التقلبات داخل الأسواق وتراجع شهية المخاطرة لدى المستثمرين.
وفي المقابل، سجلت المؤشرات الأمريكية الرئيسية تراجعًا ملحوظًا بنهاية 30 مارس 2026، حيث انخفض مؤشر داو جونز من 50,000 نقطة إلى 45,000 نقطة، بمعدل تراجع بلغ نحو 11.1%، كما تراجع مؤشر S&P 500 من 6,900 نقطة إلى 6,400 نقطة، بانخفاض يقارب 7.8%، في حين هبط مؤشر ناسداك من 23,100 نقطة إلى 20,900 نقطة، بمعدل انخفاض بلغ نحو 10.5%
ويعكس هذا الأداء الضغوط المتزايدة على أسهم الشركات، خاصة أسهم التكنولوجيا، في ظل استمرار بقاء أسعار الفائدة عند مستويات مرتفعة لفترة أطول من المتوقع، وارتفاع عوائد السندات الأمريكية، ما عزز جاذبية أدوات الدخل الثابت مقارنة بالأصول عالية المخاطر.
ويمتد تأثير هذه التطورات في أسواق المال العالمية إلى الأسواق الناشئة، وفي مقدمتها السوق المصري، من خلال إعادة توجيه تدفقات رؤوس الأموال نحو الأصول الآمنة وتراجع شهية المخاطرة عالميًا، وهو ما ينعكس بدوره على أداء سوق المال المحلي إلى جانب سوق الصرف.
على الصعيد ذاته، شهدت البورصة المصرية ضغوطًا بيعية خاصة من المستثمرين الأجانب (الأموال الساخنة)، حيث تراجع مؤشر EGX 30 من مستوى 50,000 نقطة إلى 45,000 نقطة، بانخفاض يقارب 11%. كما سجل مؤشر EGX 100 تراجعًا أكثر حدة، إذ انخفض من 18,300 نقطة إلى 16,000 نقطة قبل أن يعاود الارتداد والاستقرار قرب مستوى 17,300 نقطة، بما يعكس مرونة نسبية في التعافي، لكنه لا يزال مسجلًا انخفاضًا إجماليًا بنحو 5.8%
ويعكس هذا الأداء حالة التذبذب في السوق المصري نتيجة تزايد حالة عدم اليقين العالمية، وخروج جزء من السيولة الأجنبية من الأسواق الناشئة، بالتوازي مع إعادة تسعير المخاطر عالميًا في ظل استمرار ارتفاع أسعار الفائدة الأمريكية، وتراجع شهية المستثمرين للأصول عالية المخاطر.
ولا يقتصر تأثير هذه التطورات على سوق المال، بل يمتد ليشمل سوق الصرف والسيولة الدولارية، حيث تعرض الجنيه المصري لضغوط متزايدة نتيجة زيادة الطلب على الدولار، سواء لتغطية تكاليف الاستيراد أو بسبب هروب جزء من الأموال الساخنة من السوق المحلي.
أداء الجنيه المصري تحت الضغوط الجيوسياسية والمالية
انخفض الجنيه أمام العملات الرئيسية وفقًا لمؤشر الجنيه الخاص ب «First Bank»من بداية الحرب إلى نهاية شهر مارس، الذي سجل تراجعًا من 39.098 إلى 34.682، أي بانخفاض حوالي 4.446 نقطة بنسبة تراجع بلغت 12.7%.
كما ارتفع سعر الدولار مقابل الجنيه من 48 جنيهًا إلى نحو 54.5 جنيهًا، أي بزيادة قدرها 6.5 جنيهات، مما يعكس ضعف الجنيه بشكل ملموس، ويعود هذا الضعف بشكل رئيسي إلى تصاعد التوترات الجيوسياسية بين الولايات المتحدة وإيران وما تبعها من اضطراب في أسواق الطاقة والمال العالمية.
وفي ظل تصاعد هذه التوترات، قد يتعرض احتياطي النقد الأجنبي في مصر لبعض الضغوط المحتملة نتيجة تراجع جزء من تدفقات النقد الأجنبي إلى السوق المحلي، سواء عبر تباطؤ الاستثمارات الأجنبية غير المباشرة (الأموال الساخنة) أو انخفاض شهية الاستثمار في الأسواق الناشئة، مع توجه بعض رؤوس الأموال إلى أصول أكثر استقرارًا مثل الذهب أو السندات الحكومية في الاقتصادات المتقدمة.
ومع ذلك، فإن هذه الضغوط قد تُقابل بعامل دعم مهم يتمثل في استمرار قوة تحويلات المصريين العاملين بالخارج، والتي تُعد أحد أهم مصادر النقد الأجنبي المستدامة. فقد سجلت التحويلات خلال عام 2025 تدفقات قياسية هي الأعلى على الإطلاق، حيث ارتفعت بمعدل 40.5% لتصل إلى نحو 41.5 مليار دولار.
كما سجلت خلال الفترة من يوليو إلى يناير 2025/2026 ارتفاعًا بمعدل 28.4% لتصل إلى نحو 25.6 مليار دولار، بينما ارتفعت خلال شهر يناير 2026 وحده بمعدل 21% لتصل إلى نحو 3.5 مليار دولار، ما يعكس استمرار قوة هذا التدفق وقدرته على دعم استقرار سوق النقد الأجنبي وتعزيز الاحتياطي من العملات الأجنبية.
وفي الوقت ذاته، تظل قناة السويس أحد أهم مصادر الإيرادات الدولارية، إلا أن تصاعد التوترات قد يفرض مخاطر على حركة الملاحة البحرية، سواء من خلال ارتفاع تكاليف الشحن والتأمين أو اضطراب بعض المسارات التجارية، وهو ما قد ينعكس سلبًا على إيرادات القناة ويزيد من تكلفة التجارة الخارجية.
كما يمتد التأثير إلى قطاع السياحة، الذي يمثل مصدرًا رئيسيًا للنقد الأجنبي، حيث قد تؤدي زيادة المخاطر الإقليمية إلى تراجع تدفقات السياحة نتيجة تأجيل أو إلغاء بعض الرحلات، بما يضغط على الإيرادات السياحية والأنشطة المرتبطة بها.
ورغم ذلك، يظل احتياطي النقد الأجنبي أحد أهم أدوات حماية الاقتصاد المصري، خاصة بعد أن وصل إلى نحو 52.75 مليار دولار بنهاية فبراير 2026، حيث يساهم في امتصاص الصدمات الخارجية من خلال توفير السيولة الدولارية اللازمة لتغطية الواردات الأساسية ودعم استقرار سوق الصرف. إلا أن استمرار الضغوط الجيوسياسية لفترة طويلة قد يزيد من التحديات المرتبطة بالحفاظ على استقرار التدفقات الدولارية، ما يستدعي تعزيز مصادر النقد الأجنبي المستدامة.
وتضمن هذه التطورات أيضًا التأثير على مناخ الاستثمار في مصر، حيث تخلق المخاطر الجيوسياسية بيئة من عدم اليقين تؤثر على قرارات المستثمرين المحليين والأجانب، وهو ما قد يدفع بعضهم إلى تأجيل أو تقليص استثماراتهم، خاصة قصيرة الأجل، بما يبطئ من وتيرة النمو الاستثماري ويزيد من الضغوط على الاقتصاد الكلي.
وفي ضوء ذلك، تتسع دائرة التأثير لتشمل عددًا من القنوات الاقتصادية الرئيسية، بما في ذلك الاستثمار، والإيرادات الدولارية، وسوق الصرف، والنمو الاقتصادي، وهو ما يعكس حساسية الاقتصاد المصري للتطورات الجيوسياسية.
في المجمل، تعكس هذه التطورات مدى ترابط الاقتصاد المصري مع الاقتصاد العالمي، وتأثره المباشر بالصدمات الجيوسياسية وأسواق الطاقة والتقلبات المالية. وفي ظل استمرار حالة عدم اليقين، تظل قدرة الاقتصاد على الحفاظ على استقرار التدفقات الدولارية وتعزيز مصادرها المستدامة عاملًا حاسمًا في مواجهة هذه التحديات.








