في وقت كان فيه الاقتصاد المصري يقترب تدريجيا من استعادة قدر كبير من التوازن الكلي بعد سنوات من الضغوط التضخم

FirstBank فرست بنك موقع فرست بنك فيرست بنك first bank



«First Bank» يحلل: نيران الحرب تعدل توقعات المسار الهبوطي للتضخم في مصر

FirstBank

في وقتٍ كان فيه الاقتصاد المصري يقترب تدريجيًا من استعادة قدر كبير من التوازن الكلي بعد سنوات من الضغوط التضخمية الحادة وتقلبات سعر الصرف، جاءت التطورات الجيوسياسية في الشرق الأوسط لتعيد إدخال عنصر جديد من عدم اليقين إلى المشهد الاقتصادي، فاندلاع الحرب الأمريكيةالإسرائيلية على إيران، وما تبعها من تصاعد التوترات في أسواق الطاقة والتجارة العالمية، يطرح تحديات إضافية أمام الاقتصاد المصري ويثير تساؤلات حول قدرة مسار التعافي الحالي على الصمود في مواجهة صدمات خارجية غير متوقعة.

فقُبيل تصاعد التوترات الجيوسياسية الأخيرة، كانت المؤشرات الاقتصادية في مصر تعكس تحسنًا تدريجيًا في بيئة الاقتصاد الكلي، وعلى رأسها مسار التضخم، فقد انخفض معدل التضخم الأساسي السنوي إلى 11.2% في يناير 2026، فيما سجل معدل التضخم العام 10.1% خلال الشهر نفسه، في إشارة إلى تراجع الضغوط السعرية مقارنة بالمستويات المرتفعة التي شهدها الاقتصاد خلال العامين السابقين.

كما أشارت تقديرات البنك المركزي المصري أن يتراوح متوسط التضخم السنوي بين 12% و12.5% خلال العام المالي 2025/2026، قبل أن يتراجع إلى نحو 9% في العام المالي 2026/2027، مقارنة بمعدل بلغ 20.4% خلال العام المالي 2024/2025، وهو ما كان يعزز التوقعات بعودة تدريجية للاستقرار السعري.

وعلى صعيد النشاط الاقتصادي، سجل الاقتصاد المصري نموًا قدره 5.3% خلال النصف الأول من العام المالي 2025/2026، وهي أعلى وتيرة نمو في نحو ثلاث سنوات ونصف.

وفي ضوء هذه المؤشرات، توقع البنك المركزي المصري أن يسجل الناتج المحلي الإجمالي الحقيقي نموًا أسرع من التقديرات السابقة، ليتراوح في المتوسط بين 5.1% و5.5% خلال العامين الماليين 2025/2026 و2026/2027، مقارنة بتوقعات سابقة بلغت 4.8% و5.1% على الترتيب.

وبالتوازي مع تحسن المؤشرات الكلية، تبني البنك المركزي المصري نهجًا نقديًا أكثر توسعًا خلال العام الجاري، حيث قررت لجنة السياسة النقدية في أول اجتماعاتها لعام 2026 خفض أسعار العائد الأساسية بواقع 100 نقطة أساس، ليصل سعر عائد الإيداع لليلة واحدة إلى 19%، وسعر عائد الإقراض إلى 20%، فيما استقر سعر العملية الرئيسية عند 19.5%، وهو المستوى ذاته لسعر الائتمان والخصم.

إلا أن هذه التوقعات المتفائلة نسبيًا بدأت تواجه اختبارًا جديدًا مع اندلاع العمليات العسكرية الأمريكية الإسرائيلية ضد إيران في 28 فبراير الماضي وتصاعد حدتها لاحقًا، وهو ما انعكس سريعًا على أسواق الطاقة العالمية.

فقد قفزت أسعار النفط أمس الإثنين لتتجاوز حاجز 100 دولار للبرميل لأول مرة منذ عام 2022، مدفوعة بتصاعد المخاطر الجيوسياسية في الشرق الأوسط والتهديدات المحتملة لإمدادات الطاقة عبر مضيق هرمز، أحد أهم الممرات الاستراتيجية لتجارة النفط عالميًا.

ويمر عبر المضيق ما يقرب من 20 مليون برميل نفط يوميًا، ما يجعل أي اضطراب في الملاحة أو تهديد بإغلاقه عاملًا مباشرًا في ارتفاع تكاليف الشحن والتأمين، وبالتالي زيادة أسعار الطاقة عالميًا.

وبالنسبة لمصر، تمثل هذه التطورات مصدر ضغط مزدوج على الاقتصاد، فمن ناحية، ترتفع تكلفة الواردات، وعلى رأسها الطاقة ومدخلات الإنتاج، ومن ناحية أخرى، قد تتزايد الضغوط على موارد النقد الأجنبي.

ولا يُتوقع أن يكون تأثير هذه التطورات لحظيًا فحسب، بل إن حجمه وعمقه سيتوقفان إلى حد كبير على مدى اتساع الصراع وطول أمده، فكلما طال التصعيد، ارتفعت فاتورة الواردات وتزايدت الضغوط على ميزان المدفوعات، وهو ما قد يدفع صناع السياسات إلى إعادة تقييم أولويات السياسة النقدية والمالية في مرحلة لا تزال فيها مؤشرات التعافي الاقتصادي حديثة نسبيًا.

وبدأت بعض هذه الضغوط تظهر بالفعل في الأسواق المالية، حيث سجل سعر صرف الدولار ارتفاعًا تدريجيًا مقابل الجنيه منذ اندلاع الحرب، ليتداول عند متوسط 52.73 جنيه بنهاية تعاملات أمس، مقارنة بمتوسط بلغ بنحو 47 جنيهًا خلال الأشهر السابقة، وهو ما يعكس عودة الضغوط على سوق الصرف.

كما شهدت السوق المالية خروج استثمارات أجنبية من أذون الخزانة المحلية بنحو 1.3 مليار دولار في السوق الثانوية منذ بداية الحرب، في إشارة إلى حساسية تدفقات الأموال الساخنة تجاه التوترات الجيوسياسية وارتفاع مستويات المخاطر في الأسواق الناشئة.

ورغم ذلك، قد يظل التأثير المباشر للحرب على الاقتصاد المصري محدودًا نسبيًا على المدى القصير في ظل توافر مخزون مناسب من السلع الأساسية، إلا أن الضغوط قد تظهر بشكل أوضح في القطاعات الصناعية الأكثر اعتمادًا على الواردات، مثل الصناعات البلاستيكية والبتروكيماوية، نتيجة ارتفاع تكلفة الشحن والدولار ومدخلات الإنتاج.

كما قد تشهد بعض السلع المستوردة بالكامل زيادات سعرية مباشرة، مثل السيارات والهواتف المحمولة، في ظل ارتفاع تكلفة الاستيراد وتقلبات سعر الصرف.

وفي النهاية، قد لا تكون التداعيات المباشرة للحرب على الاقتصاد المصري حادة في المدى القصير، إلا أن المخاطر الأكبر تكمن في استمرار الصراع لفترة ممتدة وما قد يصاحبه من موجة جديدة من التضخم المستورد وتقلبات تدفقات رؤوس الأموال.

فارتفاع أسعار الطاقة وتراجع شهية المستثمرين للأسواق الناشئة قد يعيدان تشكيل بيئة الاقتصاد الكلي، بما قد يفرض على صانعي السياسات تبني مقاربة أكثر حذرًا لتحقيق التوازن بين دعم النمو الاقتصادي والحفاظ على استقرار الأسعار وسعر الصرف.

وفي مثل هذه الأوضاع، يصبح العامل الحاسم ليس فقط قوة المؤشرات الاقتصادية، بل أيضًا مرونة الاقتصاد وقدرته على امتصاص الصدمات الخارجية، فإذا ظل التصعيد الجيوسياسي محدودًا زمنيًا وجغرافيًا، فقد يتمكن الاقتصاد المصري من مواصلة مسار التعافي التدريجي.

أما إذا اتسعت دائرة الصراع أو طال أمده، فقد يجد الاقتصاد المصري نفسه أمام دورة جديدة من الضغوط التضخمية والمالية، وهو ما قد يعيد رسم أولويات السياسة الاقتصادية خلال الفترة المقبلة.

وفي ظل حالة عدم اليقين الراهنة، تبدو احتمالات تسجيل قفزات سعرية في بعض السلع خلال الفترة المقبلة قائمة، خاصة إذا استمر التصعيد الجيوسياسي لفترة أطول، ومن ثم قد يصبح من الحكمة بالنسبة للأفراد والشركات على حد سواء تبني قدر أكبر من الحذر في القرارات المالية، لا سيما تلك التي تنطوي على التزامات طويلة الأجل، مع تأجيل بعض قرارات الشراء الكبيرة إلى حين اتضاح مسار التطورات الاقتصادية.