«First Advice»: تثبيت أسعار الفائدة يفرض نفسه على طاولة «لجنة السياسة النقدية» الخميس المقبل
First Bank
يترقب المجتمع الاقتصادي في مصر اجتماع لجنة السياسة النقدية بالبنك المركزي المصري والمقرر انعقاده الخميس المقبل 21 مايو 2026، وسط استمرار حالة عدم اليقين تحسبًا لتصاعد الضغوط التضخمية واستمرار حالة عدم اليقين المرتبطة بالتوترات الجيوسياسية في المنطقة وتداعيات الحرب الإيرانية على أسعار الطاقة والسلع، وهو ما يزيد من تعقيد قرارات السياسة النقدية خلال المرحلة الحالية.
وكان البنك المركزي المصري قد أبدى حذرًا أكبر تجاه المسار المتوقع للتضخم، بعدما رفع تقديراته لمتوسط التضخم السنوي خلال 2026 إلى نطاق يتراوح بين 16% و17% بنهاية العام، مقارنة بتوقعاته السابقة البالغة نحو 11%، متوقعًا تسارع الضغوط التضخمية اعتبارًا من الربع الثاني وحتى نهاية العام الجاري، وفقًا لتقرير السياسة النقدية الصادر في 10 مايو الجاري.
ورغم ذلك، لا تزال هذه التقديرات بعيدة عن مستهدفات البنك المركزي البالغة 7% (±2 نقطة مئوية) بنهاية الربع الرابع من 2026، بما يعني نطاقًا مستهدفًا يتراوح بين 5% و9%، وهو ما يعكس استمرار التحديات المرتبطة بإعادة التضخم إلى مستوياته المستهدفة.
وتدعم بيانات التضخم الأخيرة هذا الاتجاه، حيث ارتفع معدل التضخم الأساسي السنوي إلى 13.8% بنهاية أبريل 2026، مقابل 11.8% بنهاية 2025، رغم تراجعه بشكل طفيف مقارنة بمستوى مارس البالغ 14%.
كما ارتفع معدل التضخم العام السنوي إلى 13.4% بنهاية أبريل، مقارنة بنحو 10.3% بنهاية العام الماضي، مع تسجيل تراجع هامشي عن مستوى 13.5% في مارس، بما يشير إلى تباطؤ محدود في وتيرة الارتفاع الشهري، وليس انحسارًا فعليًا للضغوط التضخمية.
وتزامن ذلك مع تعرض الاقتصاد المحلي خلال الفترة الأخيرة لعدة صدمات سعرية إضافية عززت من الضغوط التضخمية، سواء على مستوى تكاليف الإنتاج أو أسعار الخدمات.
فقد ارتفعت أسعار خدمات الاتصالات بنسب تراوحت بين 9% و15% نتيجة زيادة تكاليف التشغيل والطاقة، إلى جانب تأثير تراجع سعر صرف الجنيه.
كما رفعت الحكومة أسعار توريد الغاز الطبيعي للمصانع كثيفة الاستهلاك للطاقة اعتبارًا من مايو الجاري، بالتزامن مع ارتفاع أسعار الطاقة عالميًا وتصاعد المخاطر المرتبطة بإمدادات الوقود في المنطقة.
وسبق ذلك في أبريل الماضي رفع أسعار الكهرباء للقطاع التجاري بنسب تراوحت بين 20% و91%، إلى جانب زيادة أسعار الشرائح الأعلى للاستهلاك المنزلي بنسب تراوحت بين 16% و28%، مع الإبقاء على أسعار أول 6 شرائح دون تغيير، وهو ما يعزز احتمالات انتقال الضغوط السعرية إلى تكاليف الإنتاج وأسعار السلع والخدمات خلال الفترة المقبلة.
وفي السياق ذاته، واصل سعر صرف الجنيه تراجعه أمام الدولار، ليسجل نحو 53.40 جنيه بنهاية تعاملات أمس الإثنين الموافق 18 مايو 2026، مقابل 47.74 جنيه بنهاية 2025، بما يزيد من الضغوط المرتبطة بالتضخم المستورد وارتفاع تكلفة الواردات.
كما تعكس تطورات المعروض النقدي استمرار الضغوط التضخمية، بعدما ارتفع بنحو 10.4% خلال الربع الأول من 2026، ليصل إلى 4.19 تريليون جنيه بنهاية مارس 2026، مدفوعًا بزيادات شهرية بلغت 3.3% في يناير، و2.1% في فبراير، و4.7% في مارس، والتي تُعد أكبر زيادة شهرية خلال الربع الأول من العام، بما يشير إلى استمرار مستويات السيولة المرتفعة داخل الاقتصاد.
إلا أن تحركات البنوك الكبرى خلال الفترة الأخيرة لرفع العائد على الشهادات الادخارية قد تسهم في امتصاص جزء من المعروض النقدي وتقليل الضغوط الاستهلاكية قصيرة الأجل.
وكانت أكبر 3 بنوك عاملة في السوق المصرفي المصري قد رفعت العائد على الشهادات الثلاثية ذات العائد الثابت، ليصل في البنك الأهلي المصري ومصر إلى 17.25% سنويًا مقارنة بـ16% سابقًا، وفي البنك التجاري الدولي إلى 17.5%.
ورغم استمرار الضغوط التضخمية، فإن رفع أسعار الفائدة مجددًا قد لا يكون الخيار الأكثر ترجيحًا خلال الاجتماع المرتقب، خاصة أن مستويات الفائدة الحالية لا تزال مرتفعة بالفعل، فضلًا عن أن جزءًا كبيرًا من الضغوط الحالية يرتبط بعوامل عرض وتكاليف إنتاج وطاقة، وهي عوامل قد لا يكون لرفع الفائدة تأثير مباشر وقوي عليها.
في المقابل، قد يؤدي أي تشديد نقدي إضافي إلى زيادة الضغوط على النشاط الاقتصادي والائتمان الموجه للقطاع الخاص، خاصة في ظل تراجع نسبة قروض القطاع الخاص من إجمالي قروض القطاع المصرفي إلى 41.9% بنهاية 2025، وهو أدنى مستوى لها منذ عام 2000، بحسب أحدث بيانات البنك المركزي المصري، بما يعكس استمرار تراجع مساهمة القطاع الخاص في النشاط الائتماني.
وفي ضوء هذه المعطيات، تبدو كفة تثبيت أسعار الفائدة هي الأقرب خلال اجتماع لجنة السياسة النقدية المقبل، مع استمرار تبني البنك المركزي نهجًا حذرًا يوازن بين احتواء الضغوط التضخمية من جهة، والحد من تأثير أسعار الفائدة المرتفعة على النمو الاقتصادي والنشاط الائتماني للقطاع الخاص من جهة أخرى.












