«First Advice»: تثبيت أسعار الفائدة.. الخيار الأنسب أمام لجنة السياسة النقدية في اجتماعها الخميس المقبل
First Bank
يترقب المجتمع الاقتصادي في مصر اجتماع لجنة السياسة النقدية بالبنك المركزي المصري المقرر انعقاده يوم الخميس 2 أبريل 2026، في وقت تتزايد فيه الضغوط التضخمية وتتقاطع فيه صدمات خارجية مع تحديات داخلية، ما يضع صناع السياسة النقدية أمام أحد أكثر الاجتماعات حساسية منُذ بداية دورة التيسير النقدي الأخيرة.
ويأتي الاجتماع في ظل تصاعد التوترات الجيوسياسية في الشرق الأوسط، بعد اندلاع الحرب الأمريكية الإسرائيلية ضد إيران في 28 فبراير الماضي، وما تبعها من إغلاق شبه تام لمضيق هرمز واضطرابات ملحوظة في الاقتصاد العالمي، وهو ما أعاد تسعير المخاطر الجيوسياسية في أسواق الطاقة العالمية ودفع الأسعار إلى مستويات مرتفعة، مع مخاوف حقيقية من اضطرابات ممتدة في الإمدادات العالمية.
فعلى الصعيد العالمي، قفزت أسعار النفط بشكل ملحوظ، حيث ارتفع خام برنت إلى نحو 114.39 دولارًا للبرميل حتى 30 مارس 2026، بينما سجل خام غرب تكساس الوسيط نحو 101.55 دولارًا للبرميل، في ظل مخاوف تعطل الإمدادات عبر مضيق هرمز الذي يمر من خلاله أكثر من 20% من تجارة النفط العالمية.
كما امتدت الضغوط إلى أسواق الغاز الطبيعي، حيث بلغ السعر الفوري نحو 2.887 دولار لكل مليون وحدة حرارية بريطانية، في حين ارتفع سعر الغاز في مؤشر TTF الأوروبي إلى نحو 54.7 دولارًا لكل مليون وحدة حرارية بريطانية، مدفوعًا بتحويل شحنات الغاز الطبيعي المسال إلى آسيا ومخاوف نقص الإمدادات الأوروبية.
وانعكست هذه التطورات سريعًا على الاقتصاد المصري، مما دفع الحكومة في 10 مارس إلى رفع أسعار الديزل والبنزين وأسطوانات الغاز بنحو 19% في المتوسط، في خطوة تهدف إلى احتواء الضغوط على الموازنة العامة، لكنها في المقابل عززت انتقال الصدمة التضخمية إلى أسعار النقل والسلع والخدمات.
وتزامن ذلك مع خروج صافي تدفقات أجنبية من السوق الثانوية لأذون الخزانة بنحو 4 مليارات دولار منذ بداية مارس، ما زاد الضغوط على السيولة الدولارية.
وفي ظل هذه الأوضاع، تراجع الجنيه المصري بنحو 13.9% منذ 28 فبراير ليصل إلى 54.62 جنيهًا للدولار بنهاية تعاملات 30 مارس، وهو أدنى مستوى تاريخي للعملة المحلية، ما يضيف قناة تضخمية جديدة عبر ارتفاع تكلفة الواردات.
كما ارتفعت عوائد أدوات الدين الحكومية قصيرة الأجل، حيث بلغ العائد على أذون الخزانة لأجل 12 شهرًا نحو 23.4%، في محاولة للحفاظ على جاذبية الأصول المحلية واحتواء الضغوط على سوق الصرف.
وتشير هذه التطورات إلى عودة واضحة للضغوط التضخمية، خاصة أنه كان قد أخذ في الارتفاع بالفعل قبيل الحرب، حيث ارتفع معدل التضخم الأساسي السنوي إلى 12.7% خلال فبراير 2026 مقابل 11.2% في يناير، كما صعد التضخم العام إلى 11.5% مقارنة بـ10.1% في الشهر السابق له.
وتضع هذه المعطيات مسار التضخم المتوقع تحت مراجعة، حيث كان البنك المركزي قد توقع، وفق تقرير السياسة النقدية للربع الرابع من 2025، أن يتراوح متوسط التضخم بين 12% و12.5% خلال العام المالي 2025/2026، قبل أن يتراجع إلى نحو 9% خلال 2026/2027، مقارنة بـ20.4% في 2024/2025.
إلا أن الصدمات الأخيرة — المتمثلة في ارتفاع أسعار الطاقة، وخفض قيمة العملة، وتشديد الأوضاع المالية — قد تدفع التضخم إلى تجاوز هذه التقديرات، ما يعزز احتمالات تبني موقف نقدي أكثر تشددًا.
وبالتالي، فإن تثبيت أسعار الفائدة يبدو الخيار الأكثر اتساقًا مع المعطيات الحالية، خاصة أن السياسة النقدية شهدت بالفعل قدرًا ملحوظًا من التيسير خلال الفترة الماضية، حيث قام البنك المركزي بخفض أسعار الفائدة بنحو 825 نقطة أساس منذ بداية عام 2025 وحتى الآن، إلى جانب خفض نسبة الاحتياطي الإلزامي للبنوك من 18% إلى 16%، وهو ما يعكس تحوّلًا واضحًا نحو دعم النشاط الاقتصادي وتخفيف القيود النقدية.
وفي الوقت ذاته، لا تزال الفائدة الحقيقية في مصر ضمن نطاق موجب ومريح، حيث بلغت نحو 7.5% بنهاية فبراير، وهو مستوى يوفر هامش أمان كافيًا لاحتواء الضغوط التضخمية دون الحاجة إلى رفع جديد للفائدة، كما لا يبرر في المقابل تسريع وتيرة الخفض في ظل الصدمات الخارجية الحالية.
وعليه، فإن تثبيت أسعار الفائدة يمنح البنك المركزي فرصة لالتقاط أثر الصدمات الأخيرة وتقييم انعكاساتها على التضخم وسوق الصرف، مع الحفاظ على جاذبية الأصول المحلية واستقرار التوقعات، دون المخاطرة بتشديد إضافي قد يضغط على النشاط الاقتصادي أو تيسير مبكر قد يعيد إشعال الضغوط التضخمية بشكل أكبر.












