من دعم الاستهلاك إلى تهديد الاقتصاد.. كيف تتشكل فقاعة التمويل الاستهلاكي؟
شيماء ناصر
تفرض الطفرة المتسارعة في التمويل الاستهلاكي داخل السوق المصري تساؤلات عميقة حول ما إذا كان الاقتصاد يقترب بالفعل من تكوين «فقاعة ائتمانية» جديدة، خاصة مع النمو العنيف في القروض الموجهة للاستهلاك مقارنة بوتيرة نمو الدخول الحقيقية والإنتاج الفعلي داخل الاقتصاد، وتزداد هذه المخاوف مع التحذيرات التي أطلقها هشام عز العرب بشأن التوسع السريع لبعض جهات التمويل غير المصرفية، مؤكدًا أن النمو غير المنضبط للائتمان قد يتحول تدريجيًا من أداة لتنشيط السوق إلى مصدر ضغط على الاستقرار المالي بأكمله.
وتكشف بيانات سوق التمويل الاستهلاكي أن القطاع يعيش بالفعل واحدة من أسرع موجات النمو في تاريخه، بعدما ارتفعت قيمة التمويلات الممنوحة إلى نحو 87.2 مليار جنيه خلال 2025، مقابل 55.1 مليار جنيه في 2024، بمعدل نمو تجاوز 58%، وفقًا لبيانات الهيئة العامة للرقابة المالية، ولم يقتصر الأمر على حجم التمويلات فقط، بل امتد إلى قاعدة العملاء التي قفزت إلى أكثر من 7 ملايين عميل، مقارنة بنحو 2.4 مليون فقط قبل سنوات قليلة، في إشارة واضحة إلى أن الاقتراض أصبح جزءًا أساسيًا من دورة الاستهلاك اليومية داخل الاقتصاد المصري.
ولا يمكن قراءة هذه الأرقام بمعزل عن المشهد الاقتصادي الكلي الذي تمر به مصر خلال السنوات الأخيرة؛ فمنذ مارس 2022 تعرض الجنيه المصري لضغوط حادة أفقدته جزءًا كبيرًا من قيمته، بالتزامن مع موجات تضخم تاريخية تجاوزت في بعض الفترات مستوى 35%، ما أدى إلى تآكل القوة الشرائية للأسر بوتيرة أسرع من نمو الدخول، ومع ارتفاع أسعار السلع والخدمات بصورة متلاحقة، لم يعد التمويل الاستهلاكي رفاهية مرتبطة بشراء الكماليات، بل تحول تدريجيًا إلى وسيلة تستخدمها الأسر للحفاظ على مستوى معيشتها وتأجيل أثر الأزمة المعيشية.
اختلالات النمو الائتماني
ومن هنا تبدأ ملامح الفقاعة في الظهور بصورة أوضح؛ لأن النمو الحالي لا يستند إلى زيادة موازية في الإنتاج أو الدخل الحقيقي، بل يعتمد بصورة متزايدة على التوسع في الائتمان، ففي الاقتصادات المتوازنة يتحرك نمو القروض بالتوازي مع نمو الناتج المحلي والدخول، لكن في الحالة المصرية تنمو بعض أنشطة التمويل الاستهلاكي بمعدلات تتجاوز 50% سنويًا، بينما يتحرك الناتج المحلي الإجمالي الاسمي (بالأسعار الجارية) قرب مستويات 13.7% إلى 23.3% فقط، ما يعكس اتساع الفجوة بين نمو الائتمان وقدرة الاقتصاد الفعلية على توليد دخول وقيمة مضافة حقيقية، ويشير إلى اعتماد متزايد على الاقتراض في دعم الاستهلاك بدلًا من استناد الطلب إلى نمو حقيقي ومستدام في الدخل والإنتاج.
وتتغذى هذه الظاهرة بصورة غير مباشرة من السياسة النقدية المتشددة وارتفاع أسعار الفائدة، إذ فضلت البنوك خلال الفترة الماضية توجيه جزء أكبر من السيولة نحو أدوات الدين الحكومية مرتفعة العائد، بدلًا من التوسع الكبير في الإقراض مرتفع المخاطر للأفراد، وهو ما فتح المجال أمام شركات التمويل الاستهلاكي للتوسع بقوة داخل سوق التجزئة الائتمانية، مستفيدة من سهولة الإجراءات وسرعة الموافقات مقارنة بالبنوك التقليدية.
وفي الوقت نفسه، خلقت الضغوط التضخمية ما يمكن وصفه بـ«الطلب المؤجل على الاستهلاك»، حيث أصبح المستهلك يخشى ارتفاع الأسعار مستقبلًا، فيلجأ إلى شراء السلع الآن عبر التقسيط حتى وإن لم يكن يمتلك القدرة الكاملة على السداد، وهنا يتحول التمويل من وسيلة لدعم الطلب إلى أداة لتضخيمه بصورة مصطنعة، لأن الاستهلاك لم يعد مدفوعًا بتحسن الدخول أو الإنتاجية، بل بزيادة القدرة على الاقتراض.
تصاعد المخاطر الائتمانية
وتزداد خطورة المشهد لأن جزءًا كبيرًا من هذه التمويلات يذهب إلى استهلاك قصير الأجل لا يخلق أصولًا منتجة أو تدفقات نقدية مستقبلية تساعد على السداد، فالقروض الموجهة لشراء هاتف أو أجهزة منزلية أو تغطية مصروفات معيشية تختلف جذريًا عن التمويلات الاستثمارية التي تولد دخلًا مستقبليًا، وبالتالي، يصبح استمرار دورة السداد معتمدًا بالكامل على استقرار دخل المقترض، وهو ما يجعل السوق شديد الحساسية لأي صدمة اقتصادية مفاجئة مثل ارتفاع البطالة.
وفي ظل المنافسة الحادة بين شركات التمويل، تبدأ معايير الجدارة الائتمانية في التراجع تدريجيًا؛ فمع تشبع العملاء الأقل مخاطرة، تتجه المؤسسات بصورة أكبر نحو شرائح أكثر هشاشة للحفاظ على معدلات النمو والحصة السوقية، عبر فترات سداد أطول وموافقات أسرع ومتطلبات أقل، وهذه المرحلة تحديدًا تُعد أخطر مراحل تكوين أي فقاعة ائتمانية.
وتصل الفقاعة إلى ذروتها عندما تصبح قدرة المستهلكين على السداد أقل من التزاماتهم المالية الشهرية، وهنا تبدأ المرحلة الأخطر، فمع استمرار ارتفاع تكاليف المعيشة وزيادة الأقساط، تتحول حالات التعثر الفردية إلى ظاهرة أوسع تشمل عددًا كبيرًا من المقترضين، خاصة مع لجوء البعض إلى الاقتراض من أكثر من جهة في الوقت نفسه لتغطية التزاماتهم.
تداعيات الانفجار المحتمل
وفي هذه المرحلة، لا تقتصر الأزمة على شركات التمويل فقط، بل تمتد آثارها إلى البنوك التي تمول هذه الشركات، ثم تتسع تدريجيًا لتؤثر على استقرار السوق المالي بشكل عام، نتيجة زيادة المخاطر وتراجع قدرة الأفراد على الوفاء بديونهم.
وقد ينعكس انفجار الفقاعة بصورة مباشرة على الاقتصاد الكلي؛ إذ يتراجع الاستهلاك المحلي بشكل حاد مع تحول الأسر من الإنفاق إلى محاولة سداد الديون، بينما ترتفع معدلات التعثر وتزداد تكلفة الائتمان داخل السوق، كما قد تضطر المؤسسات المالية إلى تشديد شروط التمويل بصورة مفاجئة، ما يؤدي إلى تباطؤ النشاط الاقتصادي وانخفاض الطلب المحلي، خاصة أن الاستهلاك يمثل أحد المحركات الرئيسية للنمو داخل الاقتصاد المصري.
وفي هذا السياق، تبدو تصريحات هشام عز العرب أقرب إلى تحذير مبكر من تكرار سيناريوهات شهدتها أسواق عديدة حول العالم، حين تحولت الطفرات الائتمانية السريعة من محفز للنمو إلى مصدر لعدم الاستقرار المالي، فالمشكلة الحقيقية ليست في وجود التمويل الاستهلاكي ذاته، بل في تحوله من أداة لدعم النشاط الاقتصادي إلى بديل مؤقت لتعويض ضعف القوة الشرائية وتآكل الدخول الحقيقية.
وفي النهاية، تجد الجهات الرقابية نفسها أمام معادلة شديدة التعقيد؛ فالسوق تحتاج بالفعل إلى توسيع الشمول المالي وتحفيز الطلب المحلي، لكنها في المقابل تحتاج إلى رقابة أكثر صرامة على جودة الائتمان ومستويات المديونية الفردية ونسب التعثر، حتى لا يتحول النمو الحالي من فرصة لتنشيط الاقتصاد إلى فقاعة مالية قد تنفجر في لحظة تصبح فيها تكلفة الإنقاذ أعلى كثيرًا من تكلفة الوقاية.











