مؤشر «First»: ما وراء الأرباح القياسية.. تحليل نموذج توليد أرباح «بيت التمويل الكويتي–مصر» خلال الربع الأول 2026
شيماء ناصر
عندما تحقق مؤسسة مصرفية نموًا في أرباحها يقترب من 90% خلال عام واحد، فإن التفسير التقليدي يكون غالبًا هو التوسع القوي في النشاط الائتماني أو تحقيق قفزة كبيرة في الإيرادات التشغيلية الأساسية، لكن نتائج بيت التمويل الكويتي–مصر خلال الربع الأول من 2026 تكشف عن نموذج أكثر تعقيدًا لتوليد الأرباح، إذ تشير البيانات إلى أن البنك لم يحقق هذه القفزة نتيجة نمو استثنائي في نشاطه المصرفي التقليدي، بقدر ما نجح في إعادة تشكيل مصادر ربحيته خلال الفترة.
فقد ارتفع صافي أرباح البنك إلى 1.76 مليار جنيه خلال الربع الأول من العام الجاري، مقابل 937.78 مليون جنيه خلال الفترة المقابلة من 2025، محققًا نموًا بلغ 87.4%.
إلا أن هذا النمو لم ينعكس بالوتيرة نفسها على المحركات التقليدية للربحية المصرفية؛ إذ ارتفع صافي الدخل من العائد، الذي يمثل المصدر الرئيسي للأرباح التشغيلية، بنسبة 15.6% فقط، بينما سجلت إيرادات التمويلات والإيرادات المشابهة نموًا هامشيًا لم يتجاوز 0.9%.
وتكشف هذه الفجوة أن البنك لم يحقق أرباحًا أكبر لأنه وسّع نشاطه التمويلي بصورة استثنائية، وإنما لأنه أصبح أكثر كفاءة في إدارة موارده المالية، فقد تراجعت تكلفة الودائع والمصروفات المشابهة بنسبة 4.8%، ما أدى إلى اتساع هامش الربحية، ويعكس استفادة البنك من إعادة تسعير جانب الالتزامات وتحسن إدارة تكلفة الأموال، وهو ما مكّن البنك من تحقيق نمو في الأرباح التشغيلية.
وفي الوقت نفسه، واصل البنك تعزيز مصادر دخله غير المرتبطة بالعائد، حيث ارتفع صافي الدخل من الأتعاب والعمولات بنسبة 23.8%، مدفوعًا بنمو إيرادات الأتعاب والعمولات بنسبة 27.8%.
ورغم أن مصروفات العمولات ارتفعت بوتيرة أسرع بلغت 46.7%، فإن استمرار نمو هذا المصدر من الإيرادات يعكس نجاح البنك في تعزيز الأنشطة القائمة على الخدمات المصرفية، والتي تُعد من أكثر مصادر الدخل استدامة وأقلها تأثرًا بتقلبات أسعار الفائدة.
كما سجل بند توزيعات الأرباح نموًا استثنائيًا تجاوز 1600%، ليرتفع من 964 ألف جنيه خلال الربع الأول من 2025 إلى 17.05 مليون جنيه خلال الفترة نفسها من عام 2026.
ورغم أن هذا البند لا يمثل المصدر الرئيسي للربحية، فإن وتيرة نموه تعكس تعاظم دور العوائد الاستثمارية داخل هيكل الإيرادات، وهو ما يشير إلى توجه متزايد نحو تنويع مصادر الدخل وتقليل حساسية الربحية للتغيرات التي قد تطرأ على النشاط التمويلي التقليدي.
لكن عند محاولة تفسير القفزة الكبيرة في صافي الأرباح، يتضح أن التحسن التشغيلي وحده لا يكفي لتفسير ما حدث، فبينما بلغت الزيادة المحققة في صافي الأرباح نحو 820 مليون جنيه، شهد بند إيرادات (مصروفات) التشغيل الأخرى تحولًا جذريًا، بعدما ارتفع من نحو 62.99 مليون جنيه خلال الربع الأول من 2025 إلى أكثر من 1.26 مليار جنيه خلال الفترة نفسها من عام 2026، مسجلًا زيادة تجاوزت 1.19 مليار جنيه خلال عام واحد.
ولا تكمن أهمية هذا التحول في حجمه فقط، وإنما في قدرته على إعادة تشكيل هيكل الربحية بالكامل؛ إذ إن الزيادة المحققة في هذا البند وحدها تجاوزت إجمالي الزيادة التي سجلها البنك في صافي أرباحه، ويشير ذلك إلى أن هذا البند لم يكن مجرد مصدر إضافي للدخل، بل كان العامل الأكثر تأثيرًا في النتيجة النهائية، خاصة في ظل الضغوط الكبيرة التي تعرض لها البنك على جانب المخاطر والتكاليف.
وتتضح أهمية هذا العامل بصورة أكبر عند النظر إلى عبء الخسائر الائتمانية المتوقعة، الذي قفز من 10.50 مليون جنيه فقط خلال الربع الأول من 2025 إلى 824.94 مليون جنيه خلال الفترة نفسها من عام 2026، كما ارتفعت المصروفات الإدارية بنسبة 21.4%.
وفي الظروف الاعتيادية، كانت هذه التطورات كفيلة بالضغط بقوة على الأرباح، إلا أن قوة مصادر الدخل الأخرى، وعلى رأسها إيرادات التشغيل الأخرى، مكنت البنك ليس فقط من امتصاص هذه الضغوط، بل ومن تحقيق نمو استثنائي في صافي الربح.
ومن ثم، فإن نتائج بيت التمويل الكويتي–مصر خلال الربع الأول من 2026 لا تعكس مجرد نمو قوي في الأرباح، بل تكشف عن تحول في نموذج توليد الربحية نفسه، فمن ناحية، نجح البنك في تحسين ربحيته التشغيلية الأساسية عبر تعزيز هامش العائد وتنمية الإيرادات القائمة على الخدمات والاستثمارات، وهي مؤشرات تعكس تحسنًا حقيقيًا في كفاءة التشغيل.
ومن ناحية أخرى، لعب بند إيرادات (مصروفات) التشغيل الأخرى دورًا حاسمًا في تعويض الارتفاع الكبير في تكلفة المخاطر والمصروفات التشغيلية، بل وفي دفع الأرباح إلى مستويات قياسية.
وبالتالي، فإن السؤال الأكثر أهمية الذي تطرحه نتائج بيت التمويل الكويتي–مصر لا يتعلق بحجم الأرباح التي حققها البنك خلال الربع الأول، وإنما بمدى قابلية مصادر هذه الأرباح للتكرار والاستدامة، فبينما يعكس تحسن هامش العائد ونمو الإيرادات غير التمويلية تطورًا إيجابيًا في الأداء التشغيلي، تشير الأرقام بوضوح إلى أن بند إيرادات (مصروفات) التشغيل الأخرى كان المحرك الرئيسي والأكثر تأثيرًا في القفزة التي حققها البنك خلال الربع الأول من 2026.
ومن ثم، فإن قدرة البنك على الحفاظ على مستويات الربحية الحالية ستظل مرتبطة بمدى استدامة هذا التحول في هيكل الإيرادات خلال الفترات المقبلة، لأن البنوك لا تُقاس في النهاية بحجم الأرباح المحققة في فترة استثنائية، بل بقدرتها على إعادة إنتاج هذه الأرباح بصورة متكررة ومستدامة.











