صُنّاع القرار: تمويل الشركات.. رهان عاكف المغربي الذي أعاد رسم مسار نمو بنك قناة السويس
First Bank
لم يكن التحول الذي شهده قطاع تمويل الشركات ببنك قناة السويس خلال العامين الماضيين مجرد نمو في حجم التمويلات، بل عكس تحولًا في طريقة إدارة النشاط الائتماني.
ومنذ تولي عاكف المغربي منصب الرئيس التنفيذي والعضو المنتدب في أبريل 2024، اتجه البنك إلى التوسع في تمويل القطاعات الاقتصادية ذات الاحتياجات الاستثمارية المرتفعة، وفي مقدمتها البنية التحتية، والتصنيع، والطاقة، والسياحة، والتكنولوجيا المالية، إلى جانب تطوير منظومة التمويل وتعزيز إدارة المخاطر، بما دعم تنويع المحفظة الائتمانية واتساع قاعدة النشاط.
وامتد هذا التوجه إلى تعزيز الخدمات المقدمة للمستثمرين الأجانب، حيث أنشأ البنك مكتبًا متخصصًا لخدمة الشركات الصينية بالتعاون مع منطقة تيدا، كما وقع مذكرة تفاهم مع نظام المدفوعات الصيني CIPS لتسهيل خدمات المقاصة والتسوية بالرنمينبي، في خطوة تعزز قدرة البنك على الاستفادة من تنامي العلاقات الاقتصادية والتجارية بين مصر والصين، وتوسيع نطاق خدماته للشركات العاملة في هذا المسار.
ولم يقتصر التطوير على التوسع في منح التمويلات، بل شمل أيضًا البنية المؤسسية للنشاط، حيث أطلق البنك خدمات القروض المشتركة، والتمويل المهيكل، وتمويل المشروعات، وخدمات الوكالة، وإدارة الحسابات، إلى جانب إنشاء منصة متخصصة للقروض المشتركة، وتأسيس وحدة مستقلة لإدارة وكالات التمويل والضمانات، والبدء في تنفيذ نظام آلي لإدارة عمليات القروض المشتركة، بما عزز البنية التشغيلية للنشاط، ورفع قدرة البنك على إدارة التمويلات المشتركة والصفقات التمويلية الكبرى، وتوسيع نطاق الخدمات المقدمة للشركات.
كما أولت الإدارة اهتمامًا بإعادة هيكلة المخاطر داخل المحفظة الائتمانية، انطلاقًا من أن استدامة النمو ترتبط بتوزيع المخاطر بقدر ارتباطها بالتوسع في منح التمويل.
ولذلك عمل البنك على توسيع قاعدة العملاء وتقليل الاعتماد على عدد محدود من المقترضين، وهو ما انعكس في انخفاض نسبة تركز أكبر 50 عميلًا من الشركات إلى 46%، بما يشير إلى تحسن درجة تنويع المحفظة وتقليل مخاطر التركز الائتماني.
وأظهرت نتائج هذه الاستراتيجية انعكاسًا واضحًا على حجم النشاط، حيث ارتفعت محفظة التمويلات (شاملة القروض الصغيرة الموجهة للأنشطة الاقتصادية) إلى 125.17 مليار جنيه بنهاية مارس 2026، مقارنة بنحو 33.40 مليار جنيه بنهاية 2023، محققة معدل نمو بلغ 274.7%، وبزيادة إجمالية قدرها 91.77 مليار جنيه.
وجاء هذا الأداء مدفوعًا بارتفاع أرصدة الحسابات الجارية المدينة إلى 54.96 مليار جنيه بنهاية مارس 2026، مقابل 18.13 مليار جنيه بنهاية 2023، بمعدل نمو بلغ 203.2%، وبزيادة قدرها 36.83 مليار جنيه.
وفي الوقت نفسه، سجلت التمويلات المباشرة للشركات أسرع معدلات النمو داخل القطاع، بعدما قفزت إلى 50.24 مليار جنيه بنهاية مارس 2026، مقابل 4.34 مليار جنيه بنهاية 2023، محققة معدل نمو استثنائي بلغ 1058.4%، وبزيادة إجمالية قدرها 45.91 مليار جنيه.
وتشير هذه القفزة إلى أن التمويلات المباشرة أصبحت المحرك الرئيسي لنمو محفظة الشركات خلال الفترة محل التحليل، بعدما استحوذت وحدها على نحو نصف الزيادة المحققة في إجمالي التمويلات، بما يعكس تغيرًا في هيكل النمو داخل النشاط الائتماني.
فيما ارتفعت التمويلات المشتركة بنسبة 82.6% خلال الفترة محل التحليل، لتصل إلى 19.96 مليار جنيه بنهاية مارس 2026، مقارنة مع 10.93 مليار جنيه بنهاية 2023، بزيادة تجاوزت 9 مليارات جنيه.
ويشير استمرار نمو القروض المشتركة، بالتوازي مع القفزة في التمويلات المباشرة، إلى أن توسع البنك لم يعتمد على قناة تمويل واحدة، وإنما جاء عبر أكثر من مسار داخل نشاط تمويل الشركات، بما دعم تنوع هيكل المحفظة الائتمانية.
غير أن تقييم هذا النمو يظل غير مكتمل إذا اقتصر على قراءة حجم التمويلات فقط، إذ إن التوسع الائتماني السريع غالبًا ما يكون مصحوبًا بارتفاع مستويات المخاطر.
إلا أن تجربة بنك قناة السويس جاءت مختلفة؛ ففي الوقت الذي أضاف فيه البنك نحو 91.77 مليار جنيه إلى محفظة التمويلات خلال فترة وجيزة، واصل في المقابل تحسين جودة محفظته الائتمانية، مستفيدًا من سياسات أكثر انتقائية في منح التمويلات، وتوزيع أكثر توازنًا للمخاطر، واتساع قاعدة العملاء.
ولذلك، تراجعت نسبة القروض غير المنتظمة بصورة ملحوظة إلى 2.78% بنهاية مارس 2026، مقارنة مع 9.92% بنهاية 2023.
وبالنظر إلى مجمل هذه المؤشرات، يتضح أن ما شهده قطاع تمويل الشركات لم يكن توسعًا عابرًا في حجم الائتمان، وإنما نتيجة إعادة بناء لمنظومة النشاط الائتماني، من خلال تنويع المحفظة، وتطوير أدوات التمويل، وتحسين توزيع المخاطر، وتعزيز البنية التشغيلية.
ومن ثم، فإن الزيادة الكبيرة في حجم التمويلات تعكس تحسنًا في كفاءة إدارة النشاط بقدر ما تعكس اتساع حجمه، وهو ما يمثل أساسًا أكثر استدامة للنمو على المدى الطويل.






