«First Advice»: تثبيت الفائدة يفرض نفسه على طاولة «لجنة السياسة النقدية» الخميس المقبل
First Bank
لا يواجه البنك المركزي المصري في اجتماعه المقبل سؤالًا تقليديًا حول اتجاه أسعار الفائدة، بقدر ما يواجه تحديًا يتعلق بتوقيت التحرك وجدواه، فتوقعات التضخم لا تزال تميل إلى الارتفاع، لكن مؤشرات النشاط الاقتصادي والائتمان تشير في المقابل إلى أن أثر التشديد النقدي بدأ يمتد إلى الاقتصاد الحقيقي.
وبين هذين المسارين، يصبح القرار أكثر ارتباطًا بقراءة طبيعة الضغوط التضخمية ومصادرها، وليس بمستواها فقط.
ويأتي اجتماع لجنة السياسة النقدية، المقرر الخميس المقبل الموافق 9 يوليو 2026، في ظل التوترات الجيوساسية بسبب الحرب التى لم تُحسم بعد بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة وإيران من جهة أخرى، التى اندلعت أواخر فبراير الماضي.
فصحيح أن هدنة أُعلنت في 8 أبريل، إلا أنها كانت اتفاقًا مؤقتًا لأسبوعين فقط بوساطة باكستانية، لا اتفاق سلام نهائيًا، وقد شهد شهر يونيو تجددًا في التوتر شمل هجمات إيرانية طالت الأردن والبحرين والكويت، مع تحذيرات من اتساع رقعة المواجهة.
وحتى مطلع يوليو، لا تزال المفاوضات بين واشنطن وطهران جارية دون التوصل إلى تسوية نهائية، وسط تصريحات إيرانية بأن البلاد "ليست في سلام" مع واشنطن.
ويعني ذلك أن المخاطر الجيوسياسية المحيطة بأسعار الطاقة وحركة التجارة ومستويات عدم اليقين لا تزال قائمة وقابلة للتصاعد في أي وقت، وهو ما يبقيها عنصرًا حاضرًا في تقييم البنك المركزي لمخاطر التضخم خلال الفترة المقبلة.
ويظل التحدي الرئيسي أمام البنك المركزي هو مسار التضخم خلال الفترة المقبلة، فقد رفع البنك المركزي، في تقرير السياسة النقدية الصادر في 10 مايو الماضي، تقديراته لمتوسط التضخم خلال عام 2026 إلى نطاق يتراوح بين 16% و17%، مقارنة بتوقعاته السابقة التي لم تتجاوز 11%.
والأهم من حجم هذه المراجعة أن البنك يتوقع استمرار تسارع الضغوط التضخمية حتى نهاية العام، بما يعني أن التضخم لم يبلغ ذروته بعد، وأن المخاطر لا تزال تميل إلى الاتجاه الصاعد.
وتزداد أهمية هذه التوقعات عند مقارنتها بما كان متوقعًا قبل أشهر قليلة فقط، ففي تقرير الربع الرابع من عام 2025، رجح البنك المركزي أن يتراوح معدل التضخم خلال العام المالي 2025/2026 بين 12% و12.5%، على أن يتراجع إلى نحو 9% في العام المالي التالي، بعد أن سجل 20.4% في 2024/2025.
أما التقديرات الحالية، فتعكس تغيرًا جوهريًا في رؤية البنك لمسار الأسعار، وتشير إلى أن الوصول إلى النطاق المستهدف للتضخم البالغ 7% ±2 نقطة مئوية بنهاية 2026 أصبح أكثر صعوبة مما كان متوقعًا قبل شهرين فقط.
وتعكس أحدث بيانات التضخم صورة أكثر توازنًا للمشهد الحالي، فعلى الرغم من تراجع معدل التضخم السنوي لإجمالي الجمهورية بصورة طفيفة إلى 13% بنهاية مايو 2026، مقابل 13.4% في أبريل، إلا أن معدل التضخم الأساسي السنوي ظل مستقرًا عند 13.8% للشهر الثاني على التوالي.
ويشير هذا التباين إلى أن التحسن المسجل في التضخم العام لا يزال محدودًا، بينما تواصل الضغوط السعرية الأساسية الحفاظ على مستويات مرتفعة، وهو ما يتسق مع رؤية البنك المركزي بأن مسار التضخم لم يستقر بعد، وأن المخاطر لا تزال تميل إلى الاتجاه الصاعد خلال النصف الثاني من العام.
أما عن أداء سوق الصرف، فأظهر تماسكًا أكثر مما كان متوقعًا، حيث ارتفع الجنيه أمام الدولار بنحو 10.5%، ليصل إلى 48.92 جنيه بنهاية تعاملات أمس، مقارنة بنحو 54.64 جنيه بختام تعاملات مارس الماضي، وهو ما قلّص التراجع التراكمي للعملة منذ بداية العام إلى نحو 3% فقط.
إلا أن هذا التحسن لم يصاحبه تحسن مماثل في مؤشرات السيولة الأجنبية، حيث ارتفع صافي الأصول الأجنبية للقطاع المصرفي بصورة هامشية فقط بين أبريل ومايو، من 22.90 مليار دولار إلى 22.91 مليار دولار، بينما لا يزال أقل بنحو 6.6 مليار دولار من مستواه المسجل في يناير البالغ 29.5 مليار دولار.
وقد يشير ذلك إلى أن التحسن في سعر الصرف لم يترسخ بعد في صورة تحسن مماثل في المركز الخارجي، وهو ما يستدعي الحذر عند تقييم مدى استدامته.
وفي الوقت نفسه، تكشف بيانات السيولة المحلية عن استمرار نمو المعروض النقدي بوتيرة مرتفعة، حيث ارتفع المعروض النقدي (M2) بنسبة 18.6% خلال الأشهر الخمسة الأولى من عام 2026، ليصل إلى نحو 4.50 تريليون جنيه بنهاية مايو.
وتشير البيانات المتاحة إلى معدلات نمو شهرية بلغت 3.3% في يناير، و2.1% في فبراير، و4.68% في مارس، و2.70% في أبريل، و4.65% في مايو.
وبغض النظر عن تفسير هذه البيانات، فإن نمو المعروض النقدي يظل عند مستويات مرتفعة، بما قد يبقي الضغوط النقدية قائمة إذا لم يقابله توسع مماثل في الإنتاج الحقيقي، لتظل إدارة السيولة أحد التحديات الرئيسية أمام السياسة النقدية خلال الفترة المقبلة.
وفي موازاة ذلك، بدأت السوق بالفعل تشهد تشديدًا نقديًا غير مباشر، بعدما رفع البنكان الأهلي المصري ومصر – اللذان يمثلان الثقل الأكبر في القطاع المصرفي – العائد على بعض الودائع بمقدار 50 نقطة أساس إلى 17.75% اعتبارًا من 24 يونيو 2026، إلى جانب طرح شهادات ادخارية بعائد متغير مرتبط بسعر فائدة البنك المركزي (19.5%).
ورغم أن هذه الخطوة لم تصدر عن لجنة السياسة النقدية، فإنها تسهم في رفع تكلفة جذب الودائع لدى أكبر بنكين في السوق، بما يضيف درجة من التشدد النقدي غير المباشر إلى الأوضاع النقدية القائمة.
وفي المقابل، تظهر بيانات الائتمان أن القطاع الخاص لا يزال يواجه بيئة تمويلية مشددة، حيث تراجعت حصته من إجمالي القروض المصرفية إلى 40.5% بنهاية مارس 2026، وهو أدنى مستوى لها منذ عام 2000.
ويشير ذلك إلى استمرار تراجع الوزن النسبي للائتمان الموجه إلى القطاع الخاص مقارنة ببقية القطاعات، مما يعني ضغوط كبيرة على التمويل المنتج والاستثمار، في مرحلة يحتاج فيها الاقتصاد إلى الحفاظ على زخم النشاط الإنتاجي.
وفي ضوء هذه المعطيات، يبدو أن تثبيت أسعار الفائدة هو السيناريو الأمثل خلال الاجتماع المرتقب، فعلى الرغم من أن بيانات التضخم أظهرت قدرًا من الاستقرار خلال مايو، فإن توقعات البنك المركزي لا تزال تشير إلى عودة الضغوط التضخمية للارتفاع خلال النصف الثاني من العام، وهو ما يجعل البدء في دورة تيسير نقدي أمرًا سابقًا لأوانه، خصوصًا في ظل استمرار حالة عدم اليقين الجيوسياسي.






