ليس كل ما يهدد الأمن الغذائي يحدث داخل الحقول فكثيرا ما تبدأ الأزمة قبل الزراعة عندما يعجز المزارع عن تمويل

FirstBank فرست بنك موقع فرست بنك فيرست بنك first bank



البداية من الأرض.. قطوف من رحلة البنك الزراعي في دعم الأمن الغذائي للمصريين!

FirstBank

ليس كل ما يهدد الأمن الغذائي يحدث داخل الحقول؛ فكثيرًا ما تبدأ الأزمة قبل الزراعة، عندما يعجز المزارع عن تمويل الموسم أو توفير مستلزمات الإنتاج؛ لذلك، أصبح الأمن الغذائي مرتبطًا بقدرة الدولة على ضمان استمرار دورة الإنتاج كاملة، من تمويل المزارع وتوفير المدخلات إلى الإنتاج والتسويق.

وكشفت الأزمات العالمية، وعلى رأسها جائحة كورونا والحرب الروسية الأوكرانية، أهمية هذه المنظومة، بعدما أثبتت أن تعطل أي حلقة فيها ينعكس سريعًا على توافر الغذاء وأسعاره؛ ومن هنا، وضعت مصر الأمن الغذائي ضمن أولوياتها، بالتوازي مع التوسع الزراعي وزيادة إنتاج المحاصيل الاستراتيجية وتقليل الاعتماد على الواردات.

وفي قلب هذه المنظومة، برز البنك الزراعي المصري كأحد الأذرع التمويلية لدعم الأمن الغذائي، من خلال تمويل حلقات متعددة من دورة الإنتاج، من الأرض وحتى ما بعد الحصاد.

ومن هنا، تبدأ رحلة البنك مع الأمن الغذائي... من الأرض.

البداية من الأرض... حيث تُولد أولى حلقات الأمن الغذائي

لا يبدأ الإنتاج الزراعي مع إلقاء البذور في التربة، بل قبل ذلك، عندما ينجح المزارع في توفير التمويل اللازم لمستلزمات الموسم من التقاوي والأسمدة والمبيدات إلى المعدات والري؛ وانطلاقًا من ذلك، ركز البنك الزراعي المصري على تمويل مستلزمات الإنتاج والميكنة الزراعية ونظم الري الحديث والطاقة الشمسية، بما يتجاوز توفير السيولة إلى رفع كفاءة الإنتاج وخفض تكلفته وتحسين استخدام الموارد.

ويظهر حجم هذا الدور في وصول محفظة التمويل الموجهة للنشاط الزراعي إلى 33.4  مليار جنيه بنهاية 2025، بالتوازي مع مستهدفات خطة التنمية الاقتصادية والاجتماعية 2025/2026 التي استهدفت رفع حجم إنتاج القطاع الزراعي إلى نحو 3.7 تريليون جنيه بنهاية عام 2025/2026.

لكن أهمية التمويل لا تتحدد بحجمه فقط، وإنما بوجهته؛ فالأمن الغذائي يتطلب توجيه الائتمان نحو المحاصيل الأكثر تأثيرًا في تقليل فجوة الاستيراد وتأمين احتياجات السوق.

لذلك، ركز البنك على محاصيل استراتيجية، أبرزها القمح والذرة الصفراء وبنجر السكر وقصب السكر وفول الصويا وعباد الشمس، بما يربط التمويل بسلاسل الغذاء المختلفة؛ من الخبز، إلى الأعلاف والإنتاج الحيواني، وصولًا إلى السكر والزيوت.

ويتوافق ذلك مع خطة الدولة للتوسع في الزراعة التعاقدية إلى نحو 1.8  مليون فدان من هذه المحاصيل، ليصبح التمويل أداة لتوجيه الإنتاج نحو الأولويات الغذائية وليس مجرد توفير السيولة.

ويبرز القمح نموذجًا واضحًا لهذا التوجه؛ فمع ارتفاع تكاليف الإنتاج، رفع البنك الزراعي المصري، بالتنسيق مع وزارة الزراعة واستصلاح الأراضي، الفئة التسليفية إلى 12  ألف جنيه للفدان المروي بالغمر و15 ألف جنيه للفدان المروي بالري الحديث.

ولا يقتصر القرار على تخفيف الأعباء التمويلية، بل يستهدف دعم التوسع في زراعة القمح وزيادة الكميات الموردة للدولة، بما يعزز المخزون الاستراتيجي ويحد من الاعتماد على الواردات.

وبذلك، انتقل البنك من تمويل النشاط الزراعي ككل إلى توجيه التمويل نحو الأنشطة والمحاصيل الأكثر تأثيرًا في الأمن الغذائي، ليصبح الائتمان أداة لتحديد أين يُنتج الغذاء، وليس فقط كيف يُموَّل الإنتاج.

ويأخذ هذا التوجه أهمية أكبر مع المشروعات القومية الزراعية الكبرى، مثل الدلتا الجديدة، ومستقبل مصر للتنمية المستدامة، وتوشكى الخير، التي تستهدف زيادة الرقعة الزراعية وإنتاج المحاصيل الاستراتيجية؛ فاستصلاح الأرض لا يحقق أثره الاقتصادي والغذائي بمجرد إضافتها إلى الرقعة الزراعية، وإنما عندما تدخل الإنتاج فعليًا، وهو ما يتطلب تمويل مستلزمات الزراعة والميكنة ونظم الري ورأس المال العامل.

وهنا يلتقي توجيه البنك لتمويل المحاصيل الاستراتيجية مع التوسع الزراعي الذي تقوده الدولة؛ إذ يوفر البنك التمويل اللازم لتحويل الأراضي المستصلحة إلى طاقة إنتاجية فعلية، ليصبح التمويل المصرفي شريكًا للاستثمار الحكومي.

وتتسق هذه الوظيفة مع خطة التنمية الاقتصادية والاجتماعية 2025/2026، التي خصصت نحو 17.5  مليار جنيه استثمارات عامة لقطاعي الزراعة والري، تستهدف استصلاح الأراضي وتحسين كفاءة استخدام المياه ورفع الإنتاجية.

وبذلك، تتكامل الأدوار؛ فالدولة توسع القاعدة الإنتاجية، والبنك يوفر التمويل الذي يحول هذا التوسع إلى إنتاج فعلي. لكن زيادة إنتاج المحاصيل لا تمثل نهاية رحلة الأمن الغذائي؛ فالحبوب توفر جانبًا من الاحتياجات الغذائية، بينما تمثل الثروة الحيوانية الحلقة التالية في السلسلة، لينتقل دور البنك من تمويل الأرض والمحصول إلى تمويل ما تنتجه الأرض وما يرتبط به من إنتاج حيواني.

من الحقول إلى مزارع الإنتاج... حين يمتد التمويل إلى البروتين

إذا كانت المحاصيل الاستراتيجية تمثل نقطة البداية في رحلة الأمن الغذائي، فإنها لا تمثل الرحلة كاملة؛ فبناء منظومة غذائية متكاملة يتطلب أيضًا توفير البروتين الحيواني، خاصة مع نمو الطلب على اللحوم والألبان.

ومن هنا، لم يتعامل البنك الزراعي المصري مع تمويل المحاصيل باعتباره نهاية دورة الإنتاج؛ فالذرة الصفراء وفول الصويا، إلى جانب أهميتهما كمحاصيل استراتيجية، يمثلان مكونات رئيسية لصناعة الأعلاف، ما يربط زيادة إنتاجهما مباشرة بتكلفة تربية الدواجن والماشية.

وبذلك، يمتد أثر التمويل من الإنتاج النباتي إلى دعم الإنتاج الحيواني وتكلفة الغذاء، وهو ما دفع البنك إلى توسيع تمويلاته لتشمل الثروة الحيوانية.

وقد بلغت التمويلات الموجهة للثروة الحيوانية نحو 8.99 مليار جنيه بنهاية 2025، بما يعكس تحولًا في فلسفة التمويل؛ فلم تعد الثروة الحيوانية نشاطًا منفصلًا عن الزراعة، بل حلقة مكملة لها:  المحاصيل توفر الأعلاف، والأعلاف تدعم الإنتاج الحيواني، والإنتاج الحيواني يعزز توافر البروتين.

وتجسد المشروع القومي لإحياء البتلو هذا الترابط بصورة عملية، إذ شارك البنك الزراعي المصري في تنفيذه بالتعاون مع وزارة الزراعة واستصلاح الأراضي والبنك الأهلي المصري، بهدف زيادة إنتاج اللحوم الحمراء وتحسين كفاءة التربية لدى صغار المربين.

ولا يقتصر المشروع على تمويل شراء الرؤوس، بل يجمع بين القروض الميسرة والدعم البيطري والإرشادي، بما يحول التمويل إلى أداة لرفع الإنتاجية؛ وقد تجاوز إجمالي التمويلات القومية المقدمة للمشروع نحو 10مليار جنيه، استفاد منها أكثر من 45.1  ألف مستفيد، لتربية وتسمين ما يزيد على 522.5  ألف رأس ماشية حتى عام 2025.

ولا تعكس هذه الأرقام توسعًا ائتمانيًا فقط، بل زيادة في الطاقة الإنتاجية للحوم الحمراء، بما يدعم دخول صغار المربين، ويوفر فرص عمل ريفية، ويسهم في تقليل الاعتماد على الواردات وتعزيز استقرار المعروض المحلي؛ لكن زيادة أعداد الرؤوس وحدها لا تكفي لبناء قطاع حيواني أكثر كفاءة؛ فاستدامة الإنتاج تبدأ أيضًا من تحسين جودة السلالات ورفع إنتاجيتها.

ومن هنا، وجه البنك جانبًا من تمويلاته إلى برامج التحسين الوراثي، التي تستهدف توفير عجلات عالية الإنتاجية لإنتاج الألبان، بما يسهم في تحسين السلالات المحلية ورفع كفاءة الإنتاج على المدى الطويل؛ وفي هذا الإطار، حصل نحو 200 مستفيد على تمويلات بقيمة 25 مليون جنيه ضمن مشروع تمويل العجلات العشار المحسنة وراثيًا.

ويمثل هذا النوع من التمويل انتقالًا من تلبية احتياجات الإنتاج الحالية إلى الاستثمار في إنتاجية المستقبل، بأثر يمتد لسنوات وليس لموسم واحد.

لكن رفع إنتاج الألبان لا يكتمل بمجرد زيادة الإنتاج من المزرعة؛ إذ إن جزءًا من قيمته قد يُفقد قبل وصوله إلى التصنيع.

لذلك، امتد دور البنك إلى تمويل تطوير مراكز تجميع الألبان باعتبارها حلقة أساسية للحفاظ على جودة الإنتاج وتقليل الفاقد، وبلغت محفظة الإقراض المخصصة للمشروع نحو 250  مليون جنيه.

وهكذا، اكتملت حلقة أخرى في نموذج البنك؛ فلم يعد التمويل يستهدف زيادة الإنتاج فقط، بل رفع كفاءة ما يُنتج والحفاظ على قيمته حتى يصل إلى السوق، بما يعظم القيمة المضافة، ويحد من الفاقد، ويدعم قدرة القطاع على تلبية احتياجات السوق.

التمويل لم يعد يستهدف الزراعة فقط... بل السوق أيضًا

إذا كان تمويل الأرض والمحاصيل والثروة الحيوانية قد عزز قدرة القطاع على زيادة الإنتاج، فإن الأمن الغذائي لا يتوقف عند خروج المحصول من الأرض؛ إذ يمكن أن يفقد جزء من قيمته بسبب ضعف التخزين والتسويق والربط بين المنتجين والمصانع.

ومن هنا، وسّع البنك الزراعي المصري نطاق تمويله إلى حلقات ما بعد الإنتاج، من التخزين والنقل إلى التصنيع والتسويق، بهدف تقليل الفاقد وتعظيم القيمة المضافة، لينتقل من تمويل الإنتاج إلى دعم سلسلة القيمة الزراعية ككل.

وفي قلب هذه المنظومة، برزت الزراعة التعاقدية كأداة لربط الإنتاج بالسوق وتقليل مخاطر التسويق أمام المزارعين؛ فبدلًا من البحث عن مشترٍ بعد الحصاد، يحصل المزارع على قناة تسويقية أكثر وضوحًا قبل الزراعة، بينما تضمن المصانع تدفق المواد الخام بالكميات والجودة المطلوبة.

ويتوافق ذلك مع خطة التنمية الاقتصادية والاجتماعية 2025/2026، التي تستهدف التوسع في الزراعة التعاقدية إلى نحو 1.8  مليون فدان تشمل القمح وبنجر السكر وقصب السكر والذرة الصفراء وعباد الشمس وفول الصويا، وهي محاصيل تتوافق مع أولويات البنك التمويلية.

ولم يقتصر دور البنك على دعم النموذج، بل امتد إلى تمويله مباشرة؛ إذ أظهرت نتائج أعماله لعام 2023 تخصيص نحو 2.2  مليار جنيه لتمويل الزراعة التعاقدية.

 وتعكس هذه التمويلات تحولًا في فلسفة الإقراض، من تمويل الإنتاج بمعزل عن السوق إلى توجيه الائتمان نحو محاصيل ترتبط مباشرة بالصناعات الغذائية، بما يدعم تدفق المواد الخام إلى مصانع السكر والمطاحن ويعزز استقرار سلاسل الإمداد.

ولا يقتصر أثر ذلك على المزارع والمصنع؛ فاستقرار التسويق يشجع على تحسين الجودة واستخدام تقنيات إنتاج أكثر كفاءة، بينما تستفيد أنشطة النقل والتخزين والتصنيع من انتظام تدفق المحاصيل؛ كما يسهم تقليل الفاقد بعد الحصاد في تعظيم العائد من كل فدان وزيادة المعروض الغذائي دون الحاجة إلى التوسع في استهلاك الأراضي أو الموارد.

وبذلك، أصبح دور البنك يتجاوز تمويل زيادة الإنتاج إلى تعظيم القيمة المتحققة منه؛ فكلما ارتبطت الأرض بالسوق، والمحصول بالتصنيع، والتمويل بسلسلة القيمة، ارتفعت كفاءة المنظومة الغذائية وقدرتها على تحقيق عائد اقتصادي وغذائي أكبر.

عندما تكتمل حلقات السلسلة

وبالنظر إلى مسار تمويلات البنك الزراعي المصري، يتضح أن نموذج التمويل تجاوز المفهوم التقليدي للإقراض الزراعي؛ إذ امتد من مستلزمات الإنتاج والمحاصيل الاستراتيجية إلى الثروة الحيوانية وسلاسل القيمة والزراعة التعاقدية، ليربط بين الإنتاج والتصنيع والتسويق داخل منظومة واحدة؛ وبذلك، لم يعد التمويل يستهدف زيادة الإنتاج فقط، بل أصبح يرفع القيمة المضافة ويدعم استقرار سلاسل الإمداد.

لكن اكتمال دورة الإنتاج لا يعني استدامتها؛ فاستمرارها يظل مرتبطًا بقدرة القطاع على مواجهة التغيرات المناخية وندرة المياه وارتفاع تكلفة الطاقة؛ومن هنا، انتقل البنك إلى تمويل نظم الري الحديث والطاقة الشمسية وغيرها من المشروعات التي ترفع كفاءة استخدام الموارد وتخفض تكاليف التشغيل.

ويعكس هذا التوجه تحولًا في فلسفة التمويل، من تمويل موسم زراعي إلى تمويل قدرة القطاع على الاستمرار والإنتاج بكفاءة على المدى الطويل، بما يتوافق مع توجه الدولة نحو ترشيد استخدام المياه والطاقة وتعزيز قدرة الزراعة على التكيف مع التغيرات المناخية.

وهكذا اكتملت رحلة التمويل من الأرض إلى الاستدامة؛ فلم يعد البنك الزراعي المصري يمول حلقة منفردة من دورة الغذاء، بل يشارك في تمويل الرحلة بأكملها، من الإنتاج والمحاصيل والثروة الحيوانية، إلى التصنيع والتسويق، وصولًا إلى حماية قدرة القطاع على الاستمرار، وبهذا، يترسخ دوره كأحد الأذرع التمويلية الرئيسية لدعم أمن غذائي أكثر استقرارًا واستدامة.

أثر جهود البنك الزراعي المصري على الأمن الغذائي في مصر

وتشير مجمل مساهمات البنك الزراعي المصري إلى أن دوره لم يعد يقتصر على توفير التمويل للأنشطة الزراعية، وإنما أصبح شريكًا في دعم الأمن الغذائي بمصر من خلال تعزيز قدرة المنتجين على الاستمرار في الإنتاج، وتوجيه الائتمان نحو المحاصيل الاستراتيجية، ودعم الثروة الحيوانية، وتمويل حلقات ما بعد الحصاد وسلاسل القيمة الزراعية.

ومن شأن هذا الدور أن يدعم أحد أهم أبعاد الأمن الغذائي، وهو توافر الغذاء، من خلال زيادة القدرة الإنتاجية وتقليل مخاطر تعطل الإنتاج وتحسين كفاءة تداول المنتجات الزراعية.

وتتسق هذه المساهمة مع التطورات الأخيرة في الإنتاج الزراعي المصري؛ فقد توقعت منظمة الأغذية والزراعة للأمم المتحدة (FAO) ارتفاع إجمالي إنتاج الحبوب في مصر إلى 24.76 مليون طن في عام 2026، مقابل نحو 23.49 مليون طن خلال عام 2025، بنمو 5.4%.

كما قدرت ارتفاع إنتاج القمح إلى 10.2 مليون طن في 2026، مقارنة بـ9.5 مليون طن في 2025، بنمو متوقع بلغ نحو 7%.

وتشير المنظمة إلى أن زيادة المساحات المزروعة، وتوفير التقاوي المحسنة، ودعم مستلزمات الإنتاج والممارسات الزراعية الحديثة، ساهمت في دعم هذه التوقعات.

ومن هنا، يمكن قراءة تجربة البنك الزراعي المصري باعتبارها نموذجًا لانتقال التمويل الزراعي من مفهومه التقليدي إلى مفهوم أكثر شمولًا، يربط بين تمويل الإنتاج وتعزيز الكفاءة والاستدامة والأمن الغذائي، ما يجعل من القطاع المصرفي شريكًا في بناء منظومة غذائية أكثر قدرة على مواجهة الأزمات وتحقيق احتياجات السوق المصري على المدى الطويل.