قاموس «First»: ما المقصود بالهيمنة المالية؟
يشير مصطلح الهيمنة المالية (Fiscal Dominance) إلى الحالة التي تصبح فيها أوضاع المالية العامة، وخصوصًا ارتفاع الدين العام وتكاليف خدمته، قيدًا مؤثرًا على قرارات البنك المركزي، بحيث تتراجع قدرته على إدارة السياسة النقدية وفقًا لهدف استقرار الأسعار وحده، ففي هذه الحالة، لا تعود قرارات أسعار الفائدة منفصلة عن احتياجات الحكومة لتمويل عجز الموازنة وخدمة ديونها، بل تصبح أكثر ارتباطًا بقدرة الدولة على تحمل تكلفة الاقتراض.
وتظهر المشكلة عندما ترتفع مستويات الدين إلى درجة تجعل زيادة أسعار الفائدة عبئًا كبيرًا على الموازنة العامة، إذ تؤدي تكلفة الاقتراض المرتفعة إلى زيادة أعباء خدمة الدين، وقد تضيق المساحة المتاحة للإنفاق على الخدمات والاستثمارات العامة، وفي ظل هذه الضغوط، قد تواجه السلطات النقدية ضغوطًا للإبقاء على أسعار الفائدة منخفضة، حتى إذا كانت الظروف الاقتصادية تستدعي تشديد السياسة النقدية لمواجهة التضخم.
وتختلف الهيمنة المالية عن التنسيق الطبيعي بين السياسة المالية والنقدية، فالتنسيق بينهما ضروري لتحقيق الاستقرار الاقتصادي، لكن الخطر يظهر عندما تصبح احتياجات الحكومة التمويلية هي العامل المهيمن على قرارات البنك المركزي، بدلًا من أن تكون السيطرة على التضخم واستقرار الأسعار هي الأساس، وقد تتفاقم هذه الحالة إذا اعتمدت الحكومة بصورة متزايدة على التمويل النقدي المباشر أو غير المباشر، بما قد يضعف الثقة في قدرة البنك المركزي على احتواء الضغوط التضخمية.
ولا تقتصر تداعيات الهيمنة المالية على ارتفاع الأسعار، بل قد تمتد إلى توقعات المستثمرين، وقيمة العملة، وتكلفة التمويل، إذ يمكن أن تؤدي المخاوف بشأن استدامة الدين أو استقلالية السياسة النقدية إلى ارتفاع علاوة المخاطر التي يطلبها المستثمرون، وزيادة الضغوط على أسواق السندات والعملات.
وتكمن خطورة «الهيمنة المالية» في أنها قد تضع صانعي السياسة أمام معضلة صعبة، فرفع الفائدة لمواجهة التضخم قد يزيد أعباء الدين، بينما الإبقاء عليها منخفضة لتخفيف تكلفة التمويل قد يطيل أمد الضغوط السعرية، ولذلك، فإن الحد من مخاطرها لا يعتمد على السياسة النقدية وحدها، بل يتطلب أيضًا مسارًا ماليًا مستدامًا يعزز الثقة في قدرة الدولة على إدارة ديونها، ويمنح البنك المركزي مساحة كافية لاتخاذ القرارات اللازمة للحفاظ على استقرار الأسعار.










