FirstBank فرست بنك موقع فرست بنك فيرست بنك first bank



«First Bank» يحلل: سند المواطن.. قناة تمويل مباشرة للحكومة تعيد رسم خريطة المنافسة مع البنوك

FirstBank

في إطار توسيع قنوات تمويل عجز الموازنة وتنويع مصادره، تطرح وزارة المالية «سند المواطن» عبر مكاتب البريد المختلفة، وهو ما يمثل تطورًا مهمًا في آليات تعبئة مدخرات الأفراد، ويضع البنوك أمام منافسة مباشرة، خاصة في ظل أسعار العائد المرتفعة لسند المواطن والتي تتراوح بين 17.5% و17.75% تصرف شهريًا صافية من الضريبة.

كما أن هذه المميزات لم تتوقف عند العائد الثابت المرتفع فقط، ولكن تشمل أيضًا سهولة استرداد السند، ودرجة عالية من الأمان كونه أداة دين حكومية، ولمدة 18 شهرًا بعائد شهري مرتفع، وهو ما يعزز جاذبيته لشريحة واسعة من المدخرين، ويزيد من احتمالية تحول جزء من مدخرات الأفراد من الودائع المصرفية إلى هذا الوعاء الجديد.

تاريخيًا، لجأت الحكومة إلى أدوات تعبئة مدخرات الأفراد، أبرزها شهادات استثمار قناة السويس في 2014، والتي تم طرحها عبر البنوك العامة لتعبئة تمويل سريع لمشروع قومي، غير أن الفارق الجوهري يتمثل في أن تلك الشهادات كانت تُدار عبر الجهاز المصرفي نفسه، ولم تكن قناة تمويل موازية له.

أما «سند المواطن» فيُطرح عبر البريد مباشرة، ما يعني تحويل جزء من مدخرات الأفراد إلى تمويل مباشر للحكومة دون المرور عبر ميزانيات البنوك، وهو ما قد يحد من دور البنوك كوسيط رئيسي في تمويل عجز الموازنة.

وفي حال استمرار الطرح بهذا الشكل وبعوائد تنافسية، فقد يمثل ذلك تحولًا تدريجيًا في هيكل تمويل الحكومة، من الاعتماد شبه الكامل على الجهاز المصرفي، إلى تنويع قاعدة التمويل لتشمل الأفراد بشكل مباشر.

وتنبع حساسية هذا الطرح من طبيعة هيكل تمويل البنوك، حيث تمثل ودائع القطاع العائلي المصدر الرئيسي لسيولة الجهاز المصرفي، والتي بلغت 9.13 تريليون جنيه بنهاية أغسطس 2025، مستحوذة على 60.1% من إجمالي ودائع القطاع المصرفي البالغ قيمتها 15.19 تريليون جنيه بنهاية نفس الفترة، وفقًا لأحدث بيانات صادرة عن البنك المركزي المصري.

وفي المقابل، تعتمد البنوك بشكل كبير على توظيف هذه الودائع في أدوات الدين الحكومية، والتي بلغت 6.87 تريليون جنيه بنهاية أغسطس 2025، بما يمثل 27.8% من إجمالي أصول القطاع المصرفي البالغ قيمته 24.75 تريليون جنيه، وهو ما يعكس الارتباط الوثيق بين سيولة البنوك وتمويل عجز الموازنة، ويعزز من حساسية الجهاز المصرفي تجاه أي تحولات في هيكل هذه الودائع.

كما يأتي هذا الطرح في سياق مرحلة تشهد تحولًا في اتجاهات السياسة النقدية، مع اتجاه البنك المركزي المصري نحو دورة تيسير تدريجي في أسعار الفائدة خلال الفترات المقبلة.

وفي هذا الإطار، ورغم أن «سند المواطن» يتيح للحكومة قناة إضافية لتنويع مصادر التمويل وجذب السيولة مباشرة من الأفراد وتقليل الاعتماد على الجهاز المصرفي، إلا أن تثبيت العائد لمدة 18 شهرًا عند المستويات الحالية قد يمثل عبئًا نسبيًا على تكلفة التمويل، خاصةً في ظل توقعات تراجع أسعار الفائدة، ما قد يؤدي إلى تحمل الحكومة تكلفة أعلى من مستويات السوق المستقبلية مقارنةً ببدائل التمويل التي قد تصبح متاحة لاحقًا بعوائد أقل، وهو ما يضع الحكومة أمام معادلة دقيقة بين تنويع مصادر التمويل وجذب السيولة من جهة، والحفاظ على كفاءة تكلفة التمويل من جهة أخرى.

ومع ذلك، يظل التأثير الفعلي لهذا الطرح مرهونًا بحجم الإقبال عليه واستمرارية طرحه، إذ إن تأثيره على الجهاز المصرفي سيعتمد على حجم السيولة التي قد تنتقل فعليًا من الودائع إلى هذا الوعاء الجديد، وفي حال كان الطرح محدود الحجم، فقد يظل تأثيره على سيولة البنوك محدودًا، أما إذا توسع بشكل كبير، فقد يمثل تحولًا تدريجيًا في هيكل السيولة داخل الجهاز المصرفي ودور البنوك في تمويل الدين الحكومي مستقبلًا.