في ظل تصاعد التوترات الجيوسياسية خلال الفترة الأخيرة وما صاحبها من تداعيات قوية على الاقتصاد العالمي والأسواق

FirstBank فرست بنك موقع فرست بنك فيرست بنك first bank



انعكاسات إيجابية على الاقتصاد المصري بعد «هدنة الحرب»

FirstBank

في ظل تصاعد التوترات الجيوسياسية خلال الفترة الأخيرة وما صاحبها من تداعيات قوية على الاقتصاد العالمي والأسواق الناشئة، جاءت الهدنة كعامل داعم لاحتواء حالة عدم اليقين واستعادة قدر من التوازن في الأسواق.

وبالنظر إلى الاقتصاد المصري، نجد أنه كان من بين الاقتصادات الأكثر تأثرًا بهذه التطورات، نظرًا لارتباطه الوثيق بتدفقات النقد الأجنبي، وحركة التجارة العالمية، واستثمارات الأجانب في أدوات الدين، إلى جانب حساسية عدد من قطاعاته الحيوية، مثل السياحة وقناة السويس تجاه الأوضاع الإقليمية.

ومن هذا المنطلق، تُمثل الهدنة نقطة تحول مهمة نحو استعادة الاستقرار الاقتصادي، حيث تمتد آثارها لتشمل مختلف المؤشرات الكلية، بدءًا من معدلات النمو الاقتصادي والتضخم، مرورًا بالموازنة العامة وسوق الصرف، وصولًا إلى أداء البورصة وتدفقات رؤوس الأموال.

الهدنة تدعم النمو الاقتصادي

من المتوقع أن تُسهم الهدنة في تحسن أداء الاقتصاد المصري وتعزيز معدلات نموه، مدفوعة بتراجع حالة عدم اليقين وتحسن ثقة المستثمرين، بما يدعم عودة تدريجية للتدفقات الاستثمارية، خاصة الاستثمارات غير المباشرة، وهو ما يُعزز استقرار الأوضاع المالية وسوق الصرف.

كما تدعم الهدنة نشاط عدد من القطاعات الحيوية، بالتوازي مع تراجع الضغوط على أسعار الطاقة، بما يساهم في تحسين سلاسل الإمداد والتوريد والحد من الضغوط التضخمية.

تخفيف الضغط على الموازنة العامة

يُسهم تراجع التوترات الجيوسياسية في تخفيف الضغوط على الموازنة العامة، خاصة من جانب المصروفات، مع احتمالات انخفاض فاتورة دعم الطاقة نتيجة استقرار أو تراجع أسعار المواد البترولية عالميًا، إلى جانب تقليل الحاجة إلى مخصصات استثنائية لمواجهة الأزمات.

كما يدعم تحسن النشاط الاقتصادي من جانب الإيرادات، بفضل انتعاش القطاعات المُدرة للنقد الأجنبي، مثل السياحة وقناة السويس، مما يعزز موارد الدولة ويمنح الحكومة مساحة أكبر لتوجيه الإنفاق نحو الاستثمارات الإنتاجية.

قناة السويس من أبرز المستفيدين

تُعد قناة السويس من أكثر القطاعات استفادة من الهدنة، بعد أن تأثرت إيراداتها بشكل ملحوظ خلال فترة التوترات، حيث انخفضت بنحو 38% خلال الربع الأول من 2026، لتسجل 1.5 مليار دولار، مقابل 2.4 مليار دولار خلال نفس الفترة من 2025.

حيث من المتوقع أن تسهم التهدئة في استقرار حركة الملاحة العالمية، خاصة مع تراجع المخاطر الأمنية في البحر الأحمر، مما يعزز من عودة تدريجية لحركة السفن التى اتجهت إلى طرق بديلة مثل رأس الرجاء الصالح، وبالتالي دعم الإيرادات.

دعم قطاع السياحة

من المتوقع أن تسهم الهدنة في استعادة الثقة بقطاع السياحة، الذي يُعد من أكثر القطاعات تأثرًا بالتوترات الإقليمية، بما يدعم زيادة تدريجية في معدلات الإشغال والحجوزات، خاصة مع تحسن الصورة الذهنية للمقصد السياحي المصري. 

تراجع الضغوط التضخمية

من المرجح أن يشهد التضخم تباطؤًا خلال الفترة المقبلة، مدفوعًا بانخفاض أسعار الطاقة عالميًا وتراجع تكاليف النقل والشحن، بما ينعكس على أسعار السلع المستوردة.

وقد يفتح ذلك المجال أمام استقرار أسعار الوقود محليًا، مع إمكانية إجراء مراجعات أقل حدة مقارنة بفترات التصعيد، خاصة إذا استمرت الأسعار العالمية في التراجع.

الهدنة تدفع أسعار النفط للتراجع

شهدت أسعار النفط ارتفاعات حادة خلال فترة التوترات، حيث ارتفع برميل النفط من 69.32 دولار في بداية 2026 إلى 102.65 دولار بنهاية مارس، بزيادة بلغت نحو 48%.

ومع إعلان الهدنة، هبط خام برنت مباشرة يوم الأربعاء 8 أبريل 2026 بنحو 13.94% ليبلغ سعر برميل النفط 94.03 دولار، بينما تراجع خام غرب تكساس الوسيط بنحو 16.45% إلى 94.37 دولار، في واحدة من أعنف موجات التراجع اليومية منذ اندلاع الحرب، وهو ما يخفف الضغوط على فاتورة الاستيراد والميزان التجاري، ويدعم استقرار العملة المحلية.

البورصة تستجيب إيجابيًا

انعكست حالة التفاؤل على أداء البورصة المصرية، حيث سجلت المؤشرات الرئيسية ارتفاعات جماعية، مدفوعة بعودة الثقة

وتحسن معنويات المستثمرين، إلى جانب زيادة نسب مشاركة المستثمرين الأجانب، بما يعكس جاذبية السوق في ظل تحسن التوقعات.

وسجل المؤشر الرئيسي EGX30 معدل نمو بلغ 5.14% مستقراً عند مستوى 49,038 نقطة بنهاية الأربعاء مقارنة بإغلاق الثلاثاء الماضي. 

وفي ذات السياق، ارتفع مؤشر الشركات الصغيرة والمتوسطة EGX70  بنسبة 1.52%، بينما سجل مؤشر EGX100 الأوسع نطاقاً نمواً بنسبة 1.86% على أساس يومي مقارنة بإغلاق الثلاثاء الماضي، وقد انعكس هذا النشاط الإيجابي على رأس المال السوقي الذي ارتفع بقيمة تقارب 98 مليار جنيه خلال الجلسات الأخيرة.

كما سجلت مشاركة المستثمرين الأجانب مستويات مرتفعة بمتوسط نحو 12.69% من إجمالي التداولات.

وقف الحرب يوقف نزيف الأموال الساخنة

شهدت تدفقات الاستثمارات الأجنبية غير المباشرة «الأموال الساخنة» في مصر نزيفًا قويًا، تأثرًا بالتوترات الجيوسياسية نتيجة الحرب الإيرانية، حيث خرج صافي تدفقات أجنبية من السوق الثانوية لأذون الخزانة بنحو 4 مليارات دولار خلال فترة الحرب، ما زاد الضغوط على السيولة الدولارية.

تحويلات المصريين بالخارج تواصل دعمها

تُعد تحويلات المصريين العاملين بالخارج أحد أهم وأكبر مصادر النقد الأجنبي للاقتصاد المصري، حيث تتسم بدرجة عالية من الاستقرار النسبي مقارنة بباقي التدفقات، خاصة في ظل اعتمادها على عوامل هيكلية مستقرة.

وقد عكست البيانات الأخيرة قبل تصاعد التوترات هذا الاتجاه، حيث ارتفعت التحويلات خلال الفترة من يوليو إلى يناير 2025/2026 بمعدل 28.4% لتصل إلى نحو 25.6 مليار دولار، مقارنة بنحو 20.0 مليار دولار خلال نفس الفترة من العام السابق، كما سجلت نحو 3.5 مليار دولار في يناير 2026، بزيادة سنوية بلغت 21%.

ويشير هذا الأداء إلى قوة هذا المصدر وقدرته على دعم استقرار تدفقات النقد الأجنبي، وهو ما يُرجح استمراره – ولو بوتيرة متفاوتة – خلال فترات التهدئة، في ظل طبيعته الأقل تأثرًا بالتقلبات قصيرة الأجل.

تحسن في الصادرات المصرية

من المتوقع أن تستفيد الصادرات المصرية من تراجع اضطرابات سلاسل الإمداد وانخفاض تكاليف الشحن والتأمين، بما يعزز تنافسية المنتجات المصرية في الأسواق الخارجية، ويدعم زيادة تدفقات النقد الأجنبي خلال الفترة المقبلة.

استقرار الاحتياطيات الدولية

من المتوقع أن ينعكس تحسن تدفقات النقد الأجنبي إيجابيًا على مستويات الاحتياطي النقدي، الذي يظل مدعومًا بتنوع مصادر العملة الأجنبية، رغم استمرار حالة عدم اليقين في الاقتصاد العالمي.

وخلال شهر الحرب، ارتفع صافي الاحتياطيات الدولية نحو 52.8 مليار دولار بنهاية مارس 2026، وهو مستوى يعكس قدرة الاقتصاد على امتصاص جزء من الصدمات الخارجية وتوفير غطاء مناسب للواردات الأساسية، ومع ذلك، يظل الحفاظ على هذه المستويات مرهونًا باستمرار تدفقات النقد الأجنبي في ظل بيئة عالمية لا تزال تتسم بعدم اليقين.

تحسن سوق الصرف

انعكس تحسن التوقعات على أداء سوق الصرف، حيث شهد الجنيه المصري تحسنًا نسبيًا أمام الدولار، مدفوعًا بتراجع الضغوط على الطلب على العملة الأجنبية وتحسن معنويات المستثمرين.

حيث انخفض سعر الدولار بنحو 1.44 جنيه منُذ إعلان الهدنة، ليسجل حوالي 53.36 جنيهًا بختام تعاملات اليوم الخميس، مقارنة بنحو 54.80 جنيهًا بنهاية تعاملات أمس الأربعاء، والذي تزامن مع بداية فترة الهدنة.

كما ارتفع مؤشر الجنيه «First» ليصل إلى نحو 35.275 نقطة بنهاية تعاملات اليوم، مقابل 34.539 نقطة أمس، بما يعكس تحسنًا نسبيًا في أداء العملة المحلية.

وختامًا، تمثل الهدنة نقطة تحول مهمة للاقتصاد المصري، حيث تعيد قدرًا من الاستقرار للأسواق وتخفف الضغوط على مصادر النقد الأجنبي، بما يدعم تحسن المؤشرات الكلية واستعادة ثقة المستثمرين، ومع ذلك، يظل هذا التحسن هشًا ومرتبطًا بشكل وثيق باستمرار التهدئة الجيوسياسية، في ظل بيئة عالمية لا تزال عرضة للتقلبات.