أوجدت بديلاً سلسًا للبطاقات البنكية … أم تهدد الاستقرار المالي؟! شركات التمويل الاستهلاكي في الميزان
إيمان الشرقاوي
في ظل التحولات العميقة التي يشهدها الاقتصاد العالمي، برزت شركات التمويل الاستهلاكي كأحد أبرز الأدوات المالية التي أعادت تشكيل أنماط الاستهلاك وسلوك الأفراد الشرائي، فقد أتاحت هذه الشركات للأفراد إمكانية الحصول على السلع والخدمات دون الحاجة إلى توافر سيولة نقدية فورية، وهو ما يتماشى مع طبيعة النظام الرأسمالي القائم على تحفيز الطلب المستمر وتعزيز الاستهلاك كأحد محركات النمو الاقتصادي.
ومع تسارع وتيرة العولمة، لم يعد التمويل الاستهلاكي ظاهرة محلية، بل تحول إلى صناعة عالمية تتطور أدواتها بشكل متسارع، مدفوعة بالتكنولوجيا المالية وتوسع الأسواق، وفي هذا السياق، أصبحت شركات التمويل الاستهلاكي لاعبًا رئيسيًا في تعزيز الشمول المالي، حيث تسهم في دمج فئات واسعة من المجتمع لا سيما أولئك الذين لا يمتلكون حسابات بنكية أو يواجهون صعوبات في التعامل مع الإجراءات المصرفية التقليدية.
وعلى الرغم من هذا الدور الإيجابي، فإن هذه الشركات تمثل في الوقت ذاته سلاحًا ذو حدين فمن ناحية، توفر بديلاً مرنًا للبطاقات الائتمانية، وتتميز بسرعة الإجراءات وتبسيط شروط الحصول على التمويل، وهو ما يعزز قدرتها التنافسية، ومن ناحية أخرى، فإن هذه المرونة ذاتها قد تتحول إلى مصدر للمخاطر، في ظل ضعف أو غياب التقييم الائتماني الدقيق للعملاء، مما يفتح المجال أمام الإفراط في الاقتراض وتراكم الالتزامات المالية بما يفوق القدرة الحقيقية على السداد.
وتزداد حدة هذه المخاطر في ظل الأوضاع الاقتصادية الراهنة، خاصة مع ارتفاع معدلات التضخم التي بلغت 13.4%، وتآكل القوة الشرائية للأفراد، وهو ما يضع ضغوطًا متزايدة على دخولهم الحقيقية، وفي هذا الإطار، يمكن أن يعجز قطاع عريض من المستهلكين عن السداد ويقعوا في مخاطر تعثر جماعى يهدد استقرار هذا القطاع، حيث لا يقتصر أثر التعثر على العملاء فحسب، بل يمتد ليؤثر بشكل مباشر على شركات التمويل نفسها، من خلال تراجع معدلات التحصيل، وارتفاع نسب الديون غير المنتظمة، مما ينعكس سلبًا على ربحيتها وكفاءتها التشغيلية.
وعلى مستوى أوسع، قد تتجاوز تداعيات التعثر حدود الشركات لتصل إلى الاستقرار المالي الكلي، إذ يمكن أن يؤدي ضعف قدرة شركات التمويل على إدارة المخاطر إلى اضطرابات في القطاع المالي، خاصة إذا تزامن ذلك مع توسع غير منضبط في منح الائتمان فقد شهدت قيمة التمويلات الاستهلاكية ارتفاعًا ملحوظًا خلال عام 2025، حيث بلغت نحو 87.2 مليار جنيه، مقارنة بـ 55.1 مليار جنيهفي عام 2024، وهو ما يعكس نسبة زيادة تجاوزت 58%، كما أن تراجع القدرة الشرائية للأفراد نتيجة تراكم الديون وارتفاع معدلات التضخم قد يؤدي إلى انخفاض مستويات الاستهلاك، وهو ما ينعكس بدوره على معدلات النمو الاقتصادي من خلال تباطؤ الناتج المحلي الإجمالي وإحتمالية الدخول في دورة من الركود الإقتصادي خاصة في ظل الأوضاع الاقتصادية العالمية الغير مستقرة.
يتوقف تحقيق التوازن بين دعم الاستهلاك وتعزيز الشمول المالي من جهة، والحفاظ على الاستقرار المالي من جهة أخرى إلى حد كبير على كفاءة الأطر التنظيمية والرقابية، ومدى التزام الشركات بتطبيق معايير إدارة المخاطر، بالإضافة إلى مستوى الوعي المالي لدى المستهلكين، ففي ظل رقابة فعالة وسياسات ائتمانية رشيدة، يمكن أن تستمر هذه الشركات في أداء دورها كأداة داعمة للنمو الاقتصادي، أما في حال غياب الضبط الكافي، فقد تتحول من محفز للاستهلاك إلى مصدر تهديد للاستقرار المالي.










