في عام 2003 كان القطاع المصرفي المصري يضم أكثر من 50 بنكا معظمها كيانات صغيرة تعاني من محدودية القدرة التنافسي

FirstBank فرست بنك موقع فرست بنك فيرست بنك first bank



«First Advice»: فرص تكرار سيناريو 2003.. هل استنزفت البنوك الصغيرة فرصها في النمو؟!

FirstBank

في عام 2003، كان القطاع المصرفي المصري يضم أكثر من 50 بنكًا، معظمها كيانات صغيرة تعاني من محدودية القدرة التنافسية في سوق يتجه تدريجيًا نحو مزيد من التعقيد والتخصص.

ولم يكن الاعتماد حينها على نمو هذه البنوك كافيًا، ما دفع البنك المركزي المصري إلى تبني برنامج شامل لإعادة هيكلة القطاع عبر سلسلة من عمليات الدمج والاستحواذ، أسهمت في تقليص عدد البنوك وتكوين كيانات أكبر وأكثر قدرة على المنافسة.

ورغم ما حققته تلك المرحلة من نتائج ملموسة، بقيت مجموعة من البنوك الصغيرة خارج نطاق الاندماجات، واستمرت في العمل بأحجام محدودة ونمو متواضع.

ومع مرور أكثر من عقدين، تجد هذه الكيانات نفسها أمام تحديات أكثر تعقيدًا في بيئة مصرفية تتطلب استثمارات ضخمة في التكنولوجيا، والامتثال التنظيمي، وإدارة المخاطر، وتطوير المنتجات.

ووفقًا لرصد حديث أجراه «First Bank»، تستحوذ البنوك العشرة الكبار على نحو 78.8% من إجمالي أصول القطاع المصرفي المصري بنهاية 2025، مقابل 78.33% في 2023، بما يعكس استمرار تمركز القوة المالية لديها، مدعومًا بقدرات رأسمالية كبيرة، وانتشار جغرافي واسع، ومرونة أعلى في قيادة النمو.

في المقابل، يتقاسم 25 بنكًا ما يقرب من 21% فقط من السوق، من بينها بنك نكست، والمصرف المتحد، وABC، والمشرق، وميد بنك، المصري الخليجي، البنك العقاري، حيث لا تتجاوز الحصة السوقية لعدد من هذه البنوك 0.5% من إجمالي أصول القطاع.

ولا تعكس هذه الأرقام مجرد تفاوت في الأحجام، بل تكشف عن فجوة هيكلية تؤثر مباشرة في مستويات التنافسية.

فالتحدي اليوم لم يعد مرتبطًا فقط بالإدارة أو الحوكمة، كما كان في بدايات الألفية، بل أصبح أقرب إلى معادلة اقتصاديات الحجم والكفاءة التشغيلية.

فالحصة السوقية المحدودة تُقيد قدرة البنوك الصغيرة على امتصاص التكاليف المتزايدة، بينما يحد ضعف الانتشار الجغرافي من فرص جذب الودائع والتوسع الائتماني.

وفي الوقت نفسه، تفرض المنافسة الراهنة استثمارات مستمرة في البنية التكنولوجية والخدمات الرقمية، وهي متطلبات يصعب على هذه الكيانات مجاراتها بالوتيرة نفسها التي تتحرك بها البنوك الكبرى.

وتُظهر تجربة بنك التنمية الصناعية خلال السنوات الأخيرة جانبًا مهمًا من هذه الإشكالية؛ حيث نجح في تحقيق تحسن ملحوظ في أدائه المالي بدعم من تغير قيادته التنفيذية ورئاسة حسين رفاعي له، حيث تجاوز صافي أرباحه حاجز المليار جنيه لأول مرة في تاريخه خلال 2025، بما يعكس تطورًا إداريًا وتشغيليًا واضحًا.

إلا أن هذه التجربة، رغم نجاحها، تبرز حدود ما يمكن أن تحققه الإدارة وحدها في ظل قيود الحجم، إذ يظل نطاق النشاط محدودًا مقارنة باللاعبين الرئيسيين، بما يؤكد أن التحدي هيكلي بقدر ما هو تشغيلي.

وعلى المستوى الإقليمي، تقدم تجربة بنك أبوظبي الأول نموذجًا مهمًا للتأمل، حيث أسفر اندماج بنك الخليج الأول وبنك أبوظبي الوطني عام 2017 عن تأسيس كيان مصرفي استطاع خلال سنوات قليلة ترسيخ موقعه كأكبر البنوك في منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا.

ولم يقتصر أثر الاندماج على تضخم الأصول، بل امتد إلى تعزيز الكفاءة التشغيلية، وتوسيع قاعدة العملاء، ورفع القدرة الاستثمارية والتكنولوجية، بما يعكس القيمة المضافة للاندماج حين يُدار وفق رؤية استراتيجية متكاملة.

وفي هذا السياق، يبرز الاندماج كأحد المسارات الأكثر واقعية أمام عدد من البنوك الصغيرة والمتوسطة لتعزيز قدرتها التنافسية ومواجهة الضغوط الهيكلية المتزايدة.

يري أن نجاح هذه العمليات لا يرتبط بمجرد الدمج الشكلي بين مؤسستين، بل يتطلب تصميم نموذج تكاملي يأخذ في الاعتبار التخصصات، والانتشار الجغرافي، وقاعدة العملاء، وكفاءة التشغيل، إلى جانب بناء هوية مؤسسية جديدة تدعم تموضع الكيان في السوق.

كما يمكن للجهات التنظيمية أن تؤدي دورًا محوريًا في دعم هذا الاتجاه، عبر حوافز انتقالية وتسهيلات تنظيمية تُشجع عمليات الدمج ذات الجدوى الاقتصادية، بما يسهم في خلق مؤسسات أكثر كفاءة واستدامة وقدرة على المنافسة.

فاليوم، ومع استمرار ارتفاع مستويات التركز وتزايد متطلبات المنافسة، تبدو دراسة فرص الاندماج بين بعض الكيانات الصغيرة والمتوسطة خيارًا أكثر إلحاحًا، ليس كغاية في حد ذاته، بل كأداة لتعزيز الكفاءة والاستدامة والقدرة التنافسية داخل القطاع المصرفي المصري.