لم يعد تقييم دور القطاع الخاص في الاقتصاد المصري يقتصر على حجم استثماراته أو عدد الشركات العاملة بل أصبحت مسا

FirstBank فرست بنك موقع فرست بنك فيرست بنك first bank



«First Advice»: صعود قياسي لمساهمة القطاع الخاص في الناتج المحلي الإجمالي.. والبنوك مطالبة بتوفير فرص تمويلية أكبر

FirstBank

لم يعد تقييم دور القطاع الخاص في الاقتصاد المصري يقتصر على حجم استثماراته أو عدد الشركات العاملة، بل أصبحت مساهمته في الناتج المحلي الإجمالي أحد أهم المؤشرات التي تعكس وزنه النسبي داخل النشاط الاقتصادي وقدرته على قيادة النمو.

وتشير أحدث البيانات الرسمية إلى استمرار تعزز هذا الدور، إذ ارتفعت مساهمة القطاع الخاص في الناتج المحلي الإجمالي إلى 81.2% خلال النصف الأول من العام المالي 2025/2026، مقارنة بنحو 79.4% خلال العام المالي 2024/2025، و77.1% خلال العام المالي 2023/2024، و74.8% في العام المالي 2022/2023، بما يعكس اتساع مساهمة القطاع الخاص في النشاط الاقتصادي خلال السنوات الأخيرة.

إلا أن هذا التوسع في مساهمة القطاع الخاص داخل الاقتصاد لم يواكبه توسع مماثل في نصيبه من الائتمان المصرفي، لتتسع الفجوة بين مساهمته في توليد الناتج وحصته من التمويل، في دلالة على تغير هيكل توزيع الائتمان داخل الجهاز المصرفي المصري.

وتكشف أحدث بيانات البنك المركزي المصري تراجع نسبة القروض الممنوحة للقطاع الخاص إلى 40.5% من إجمالي القروض المقدمة للعملاء بنهاية مارس 2026، وهو أدنى مستوى يتم تسجيله منذ أكثر من خمسة وعشرين عامًا.

وتزداد دلالة هذا التطور عند مقارنته ببداية الألفية، إذ كانت القروض الموجهة للقطاع الخاص تمثل نحو 80.6% من إجمالي القروض بنهاية عام 2000، بما يعني انخفاض وزنه النسبي داخل محفظة الائتمان المصرفي إلى النصف تقريبًا خلال ربع قرن.

وفي المقابل، واصلت حصة القروض الموجهة للقطاع الحكومي ارتفاعها بصورة تدريجية، بعدما كانت تدور حول 5% فقط بنهاية عام 2000، لتصل إلى 53.82% بنهاية فبراير 2026، بما يعكس تنامي الوزن النسبي للقطاع الحكومي داخل محفظة الائتمان المصرفي.

ولا يمثل توزيع الائتمان داخل الجهاز المصرفي مجرد انعكاس لقرارات البنوك بشأن توظيف أموالها، بل يعد أحد المؤشرات المهمة التي تعكس اتجاه الموارد المالية داخل الاقتصاد، فارتفاع حصة التمويل الموجه للقطاع الخاص يعزز قدرة الشركات على الاستثمار والتوسع وخلق فرص العمل، باعتبار أن الائتمان المصرفي يمثل أحد أهم مصادر تمويل النشاط الاقتصادي.

وفي المقابل، فإن استمرار انتقال جانب أكبر من الائتمان إلى القطاع الحكومي يقلص المساحة المتاحة أمام القطاع الخاص للحصول على التمويل، فيما يُعرف اقتصاديًا بأثر مزاحمة القطاع الخاص (Crowding Out).

ورغم تراجع نصيب القطاع الخاص من الائتمان المصرفي، فإن ذلك لا يعكس تراجعًا مماثلًا في دوره داخل الاقتصاد، حيث لا يزال يستحوذ على النسبة الأكبر من الناتج المحلي الإجمالي.

إلا أن استمرار انخفاض حصته من الائتمان لفترات ممتدة قد يحد تدريجيًا من قدرته على الاستثمار والتوسع، لا سيما في الأنشطة التي يعتمد تمويلها بصورة رئيسية على الاقتراض المصرفي.

ولا يرتبط هذا التحول بعامل واحد، بل جاء نتيجة تداخل عدة عوامل خلال السنوات الأخيرة، في مقدمتها دورة التشديد النقدي التي رفعت أسعار الفائدة إلى مستويات قياسية، وهو ما أدى إلى زيادة تكلفة الاقتراض وإضعاف الطلب على الائتمان من جانب العديد من شركات القطاع الخاص.

وفي الوقت نفسه، ارتفعت احتياجات الحكومة للتمويل، بالتزامن مع ارتفاع العائد على أدوات الدين الحكومية وانخفاض مستوى مخاطرها مقارنة بالإقراض المباشر، الأمر الذي عزز توجه البنوك نحو توظيف جانب أكبر من السيولة في تلك الأدوات، وأسهم في إعادة تشكيل خريطة الائتمان داخل الجهاز المصرفي.

ولم تتوقف دورة التيسير النقدي عند عام 2025، حيث واصل البنك المركزي خفض أسعار الفائدة بمقدار 100 نقطة أساس خلال أول اجتماعات عام 2026، بما عزز توقعات الأسواق باستمرار مسار التيسير النقدي خلال العام.

غير أن هذه التوقعات لم تستمر طويلًا، إذ أدت التطورات الجيوسياسية العالمية والإقليمية إلى زيادة حالة عدم اليقين، مع تصاعد المخاوف من عودة الضغوط التضخمية نتيجة احتمالات اضطراب أسواق الطاقة وسلاسل الإمداد العالمية، وهو ما دفع الأسواق إلى إعادة تقييم توقعاتها بشأن مسار أسعار الفائدة.

وفي ظل استمرار حالة عدم اليقين وعدم اتضاح مسار الأسعار بصورة كافية، فضل البنك المركزي المصري الإبقاء على أسعار الفائدة دون تغيير خلال اجتماعي أبريل ومايو 2026، انتظارًا لتقييم أثر دورة التيسير النقدي على تطورات التضخم والنشاط الاقتصادي.

ومع تجدد التوترات الجيوسياسية في يوليو، عقب استئناف العمليات العسكرية بين الولايات المتحدة وإسرائيل وإيران، ازدادت المخاوف من تعرض مسار التضخم لضغوط إضافية، وهو ما عزز استمرار النهج الحذر، ليواصل البنك المركزي الإبقاء على أسعار الفائدة دون تغيير خلال اجتماع يوليو.

وتؤكد أحدث بيانات التضخم استمرار الضغوط السعرية، إذ ارتفع معدل التضخم الأساسي السنوي إلى 14.3% بنهاية يونيو 2026، مقابل 11.8% بنهاية عام 2025، كما ارتفع معدل التضخم العام السنوي إلى 12.2% مقارنة بنحو 10.3% في نهاية العام الماضي، رغم تراجعه بصورة طفيفة عن مستوى 13% المسجل في مايو.

وفي ظل استمرار هذه المتغيرات، قد يستغرق تحسن بيئة التمويل للقطاع الخاص وقتًا أطول، مع ترجيح استمرار النهج الحذر للسياسة النقدية إلى حين تراجع الضغوط التضخمية وتحسن الرؤية بشأن التطورات الاقتصادية العالمية.