«First Advice»: تقلبات أسعار الصرف تفرض على البنوك ضرورة الموازنة بين الأصول والإلتزامات بالعملات الأجنبية
تضع تقلبات أسعار الصرف المراكز المالية للبنوك أمام اختبار حقيقي لقدرتها على إدارة مخاطر العملة، حيث لا يتحدد أثر تحركات الجنيه أمام العملات الأجنبية بحجم الانكشاف على الدولار أو غيره من العملات فحسب، وإنما يتوقف بدرجة أساسية على مدى التوازن بين الأصول والالتزامات المقومة بالعملات الأجنبية.
ففي الوقت الذي يمكن فيه لتحركات سعر الصرف أن تعيد تقييم البنود المقومة بالعملات الأجنبية، فإن اتجاه وحجم الأثر على المركز المالي يرتبطان بطبيعة المركز المفتوح لكل بنك؛ إذ كلما اتسعت الفجوة بين الأصول والالتزامات بالعملات الأجنبية، زاد حجم الانكشاف الصافي المتأثر بتحركات سعر الصرف، بينما يؤدي تقارب الجانبين إلى تقليص هذه الفجوة.
وتأتي هذه المعادلة في وقت شهد فيه سعر الجنيه أمام الدولار تحركات متباينة منذ بداية العام، بما يعكس بيئة أكثر تقلبًا بالنسبة لإدارة المراكز بالعملات الأجنبية.
فقد بلغ الدولار 46.96 جنيه بختام تعاملات يناير، ثم ارتفع إلى 47.97 جنيه بنهاية فبراير، قبل أن يقفز إلى 54.64 جنيه بختام مارس، ليتراجع بعد ذلك إلى 53.67 جنيه بنهاية أبريل، ثم 52.33 جنيه بنهاية مايو، و49.28 جنيه بختام يونيو، قبل أن يعاود الصعود إلى 51.19 جنيه بنهاية يوليو، وينخفض بصورة طفيفة إلى 50.97 جنيه بختام أغسطس.
ولا تكمن دلالة هذه التحركات في اتجاه سعر الصرف وحده، وإنما في أنها ترفع أهمية إدارة الفجوات بالعملات الأجنبية داخل البنوك، خاصة أن الصدمات الناتجة عن تغير سعر الصرف لا تنتقل إلى جميع البنوك بالدرجة نفسها؛ فالبنك الذي يحتفظ بأصول والتزامات متقاربة بالعملة الأجنبية يختلف في درجة انكشافه عن بنك تتسع لديه الفجوة بين الجانبين.
وبمعنى آخر، فإن سعر الصرف يمثل عاملًا مشتركًا أمام القطاع المصرفي، لكن حجم الأثر المالي الناتج عنه يتحدد داخل كل بنك وفق هيكل مركزه بالعملات الأجنبية، ومن هنا يصبح قياس العلاقة بين الأصول والالتزامات أكثر دلالة من النظر إلى حجم أي منهما بصورة منفردة.
وفي هذا السياق، أصدر «First Bank» في يوليو الماضي تصنيفًا لمدى اتزان المراكز المالية بالعملات الأجنبية لدى 23 بنكًا أتيحت عنها البيانات المالية، بهدف تقديم قراءة كمية لدرجة التقارب بين الأصول والالتزامات المقومة بالعملات الأجنبية، وقياس مدى ابتعاد كل بنك عن نقطة التعادل.
وأظهر التصنيف أن 13 بنكًا جاءت ضمن نطاق الاستقرار، مقابل 7 بنوك ضمن نطاق المخاطر المتوسطة، و3 بنوك ضمن نطاق المخاطر المرتفعة، بما يعكس تفاوتًا واضحًا في هيكل المراكز بالعملات الأجنبية بين البنوك محل الدراسة.
واعتمد التصنيف على نسبة الأصول إلى الالتزامات بالعملات الأجنبية، باعتبار أن اقتراب النسبة من الواحد الصحيح يعكس تقاربًا أكبر بين جانبي المركز.
وصُنفت النسب من 0.95 إلى 1.05 ضمن نطاق الاستقرار، بينما شملت فئة المخاطر المتوسطة النسب من 0.80 إلى أقل من 0.95، ومن أكبر من 1.05 إلى 1.20، في حين جاءت النسب التي تقل عن 0.80 أو تتجاوز 1.20 ضمن نطاق المخاطر المرتفعة.
وتكشف النتائج عن وقوع 13 بنكًا من أصل 23 ضمن نطاق الاستقرار، بما يعكس تقاربًا نسبيًا بين قيمة الأصول والالتزامات بالعملات الأجنبية لديها، ومن ثم محدودية الفجوة بين جانبي المركز مقارنة بالبنوك التي سجلت نسبًا أبعد عن الواحد الصحيح.
في المقابل، فإن وجود 10 بنوك خارج نطاق الاستقرار لا يعني بالضرورة تعرضها للدرجة نفسها من المخاطر، وإنما يعكس تفاوتًا في حجم الفجوة بين الأصول والالتزامات بالعملات الأجنبية؛ فالنسبة الأقل من الواحد تعني تفوق الالتزامات بالعملات الأجنبية على الأصول، بينما تعكس النسبة الأعلى تفوق الأصول على الالتزامات.
وكلما زاد الابتعاد عن الواحد الصحيح، اتسعت الفجوة بين جانبي المركز، بما يعني ارتفاع حجم الانكشاف الصافي الذي يتأثر بتحركات سعر الصرف.
كما أن اتجاه الفجوة يمثل عاملًا مهمًا في تحديد طبيعة الأثر؛ إذ يختلف تأثير ارتفاع قيمة العملات الأجنبية على بنك تتجاوز أصوله الأجنبية التزاماته عن بنك تتجاوز فيه الالتزامات الأجنبية قيمة الأصول. ومن ثم، لا يرتبط حجم الانكشاف بدرجة الابتعاد عن الواحد الصحيح فقط، وإنما يتحدد أيضًا باتجاه الفجوة وطبيعة المركز المفتوح.
وتكتسب هذه الفروق أهمية أكبر في ظل تحركات سعر الصرف المتكررة، إذ يمكن لتغيرات قيمة الجنيه أن تنعكس على المراكز المالية للبنوك بدرجات واتجاهات مختلفة، وفقًا لحجم الفجوات القائمة وهيكل الأصول والالتزامات بالعملات الأجنبية لدى كل بنك. ولذلك، تمثل إدارة المراكز المفتوحة وضبط الفجوات بالعملات الأجنبية عنصرًا أساسيًا في الحد من تقلبات الأثر المالي الناتج عن تغيرات سعر الصرف.










