كيف تحولت البنوك الكويتية من لاعب أجنبي إلى قوة مؤثرة داخل القطاع المصرفي المصري؟
شيماء ناصر
شهدت البنوك الكويتية داخل السوق المصرفي المصري مسار توسع تدريجي ومدروس يعكس رؤية استراتيجية طويلة الأجل، حيث لم يكن دخولها مجرد توسع جغرافي تقليدي، بل جزءًا من إعادة تموضع إقليمي تستهدف أسواقًا ذات كثافة سكانية عالية وفرص نمو مصرفي ممتدة، وعلى رأسها مصر.
«الكويت الوطني» – استقرار مصرفي ممتد
وبدأت أولى موجات هذا الحضور عبر بنك الكويت الوطني، الذي يُعد الأقدم كويتيًا داخل السوق المصري، إذ تعود بدايات تواجده إلى فترة الثمانينيات بشكل محدود، قبل أن يتحول دخوله إلى شكل أكثر تأثيرًا وحسمًا في عام 2007 عقب استحواذه على البنك المصري الأمريكي وتحويله إلى كيان متكامل تحت اسم بنك الكويت الوطني – مصر، ليبدأ مرحلة بناء توسعي قائمة على تعميق النشاط المصرفي بدل الاكتفاء بالحضور الرمزي.
ومع ترسيخ هذا الوجود، نجح بنك الكويت الوطني في بناء قاعدة أصول قوية ومتنامية داخل السوق المصري، حيث تجاوز إجمالي أصوله نحو 257.71 مليار جنيه بنهاية مارس 2026، مع اعتماد واضح على نموذج أعمال يتسم بالتحفظ النسبي والتركيز على التمويل المؤسسي والاستثمارات منخفضة المخاطر، وهو ما انعكس على استقرار الأداء الربحي واستدامة النمو على مدار سنوات طويلة، ليصبح أحد أكثر البنوك الأجنبية اتزانًا داخل القطاع المصرفي المصري، ليس من حيث الحجم فقط ولكن من حيث جودة التوظيفات الائتمانية أيضًا.
«الأهلي الكويتي»–إعادة بناء استراتيجية
ومع توسع التجربة الكويتية، جاء دخول البنك الأهلي الكويتي ليعكس مرحلة أكثر ديناميكية في استراتيجية التوسع، حيث بدأ حضوره الفعلي داخل السوق المصري في عام 2015 عبر استحواذه على بنك بيريوس مصر، وهو ما مثل نقطة تحول جوهرية في نموذج عمله، إذ لم يكتفِ بالبقاء داخل الإطار التشغيلي القائم، بل أعاد هيكلة البنك بالكامل من حيث الهوية والمحفظة الائتمانية والتوجه الاستراتيجي.
ونجح البنك خلال سنوات قليلة في بناء قاعدة أصول وصلت إلى نحو 187.81 مليار جنيه بنهاية مارس 2026، مع محفظة تمويلات تتجاوز 86 مليار جنيه، ما يعكس انتقاله من مرحلة إعادة التأسيس إلى مرحلة النمو المتوازن، مع تركيز متزايد على تحسين كفاءة التشغيل وتعزيز مساهمة الدخل من العمولات والخدمات المصرفية بدل الاعتماد الكامل على العائد التقليدي.
«بيت التمويل الكويتي» – نمو إسلامي سريع
واستكمالًا للموجة الكويتية، جاء بيت التمويل الكويتي ليقدم النموذج الأكثر تسارعًا داخل السوق المصري، حيث بدأ دخوله الفعلي في عام 2023 بعد عمليات دمج واستحواذ استهدفت تأسيس وجود مصرفي إسلامي قوي داخل أحد أكبر الأسواق في المنطقة، ليبدأ بعدها مرحلة نمو مكثف قائمة على التوسع في التمويل الإسلامي للأفراد والشركات.
ونجح البنك خلال فترة قصيرة في رفع إجمالي أصوله إلى نحو 184.73 مليار جنيه بنهاية مارس 2026 إلى جانب توسع محفظة التمويلات لتتجاوز 104.57 مليار جنيه، مع تسجيل صافي أرباح يبلغ 1.76 مليار جنيه خلال الربع الأول من 2026، وهو ما يعكس نموذج نمو هجومي قائم على التوسع السريع في الحصة السوقية وتعظيم الاستفادة من الطلب المتزايد على المنتجات المصرفية المتوافقة مع الشريعة.
ومع تزامن هذه الموجات الثلاث، أعادت البنوك الكويتية تشكيل جزء مهم من الخريطة التنافسية داخل القطاع المصرفي المصري، حيث تحولت من مجرد كيانات أجنبية إلى لاعبين إقليميين يمتلكون تأثيرًا مباشرًا في سوق الأصول والائتمان، مستفيدة من قوة رؤوس أموالها وقدرتها على ضخ سيولة كبيرة من المراكز الرئيسية في الكويت، إلى جانب مرونة نسبية في التوسع داخل القطاعات الأكثر ربحية مثل تمويل الشركات.
واتجهت هذه البنوك بشكل واضح نحو تعميق النشاط الائتماني داخل مصر بدل الاكتفاء بالدور الخدمي، وهو ما عزز من وزنها النسبي داخل القطاع المصرفي.
ويعكس هذا النجاح في مجمله مجموعة من العوامل الهيكلية، أبرزها قوة المراكز المالية للبنوك الأم في الكويت، التي وفرت قدرة مستمرة على دعم التوسع داخل السوق المصري، إلى جانب الاستفادة من النمو المتزايد في الطلب على التمويل والخدمات المصرفية، خاصة من جانب الشركات وقطاع الأعمال والأفراد، وهو ما أتاح للبنوك الكويتية مساحة واسعة لتعزيز محافظها الائتمانية والتوسع التدريجي داخل السوق.
تنوع النماذج المصرفية
كما لعب اختلاف النماذج التشغيلية دورًا مهمًا في تعزيز هذا الحضور، حيث جمع السوق بين بنك تقليدي محافظ ومستقر (بنك الكويت الوطني)، وبنك يعيد بناء نفسه بشكل تدريجي بعد الاستحواذ (البنك الأهلي الكويتي)، وبنك إسلامي سريع النمو (بيت التمويل الكويتي)، ما أتاح تغطية شرائح سوقية متنوعة دون تداخل مباشر في الاستراتيجية.
وفي المحصلة، لم يكن دخول البنوك الكويتية إلى مصر مجرد توسع خارجي عابر، بل مسار استثماري طويل الأجل يعكس ثقة ممتدة في قدرة السوق المصري على تحقيق نمو مستدام، مع تحول واضح من مرحلة التأسيس إلى مرحلة التمركز والتأثير، وهو ما يجعلها اليوم واحدة من أكثر الكتل المصرفية الأجنبية رسوخًا داخل القطاع المصرفي المصري، مع قابلية لمزيد من التوسع خلال السنوات المقبلة مع استمرار نمو الطلب على التمويل والخدمات المصرفية.











