«العربي الإفريقي».. قصة 3 سنوات استثنائية أعادت البنك إلى نادي الكبار!
لم يكن البنك العربي الإفريقي الدولي مجرد بنك أُضيف إلى قائمة البنوك العاملة في مصر، فمنذ لحظة تأسيسه عام 1964، وُلد بفكرة مختلفة؛ كأول بنك متعدد الجنسيات في السوق المصري، بشراكة مصرية كويتية جمعت بين البنك المركزي المصري والهيئة العامة للاستثمار الكويتية، ومنذ ذلك الحين، بدا وكأن البنك اختار لنفسه طريقًا قائمًا على الريادة والسبق لا على اللحاق بالمنافسين.
فبعد سنوات قليلة من تأسيسه، اتجه خارج الحدود المصرية ليصبح في عام 1970 أول بنك مصري يتواجد في منطقة الخليج العربي عبر فرع في الإمارات العربية المتحدة.
ثم توالت المحطات التي رسخت صورته كبنك يبحث دائمًا عن الخطوة التالية؛ فأطلق أول غرفة تداول عالمية في مصر عام 1982، وكان من أوائل البنوك التي قدمت البطاقات البنكية للعملاء، قبل أن يواصل التوسع عبر الاستحواذ على بنك مصر أمريكا عام 2005 في أول صفقة استحواذ على بنك خاص بالسوق المصرفية المصرية.
كما تبنى مبكرًا مفاهيم الاستدامة والمسؤولية المجتمعية، وأطلق مؤسسة «وفاءً لمصر» للتنمية المجتمعية، كأول مؤسسة من نوعها في مصر، قبل أن يعزز مسيرته في التحول الرقمي بإطلاق «المصنع الرقمي» عام 2021 لتطوير الحلول والخدمات المصرفية المبتكرة.
لهذا كله، بدا وجود البنك داخل نادي الخمسة الكبار في القطاع المصرفي المصري أمرًا طبيعيًا لسنوات طويلة. لكن الأسواق لا تعترف بالتاريخ وحده، ولا تمنح أحدًا مكانته إلى الأبد، فبين عامي 2018 و2022 بدأت ملامح قصة مختلفة تتشكل.
في تلك الفترة، شهد القطاع المصرفي المصري معدلات نمو متسارعة، مدفوعة بمتغيرات اقتصادية وتنافسية أثرت على أداء مختلف البنوك.
وفي هذا السياق، جاء نمو البنك العربى الافريقى الدولى بوتيرة أقل نسبيًا مقارنة ببعض البنوك المنافسة،ومع نهاية عام 2022، برزت الحاجة إلى مرحلة جديدة تستهدف تعزيز وتيرة النمو، والبناء على ما يمتلكه البنك من نقاط قوة وتاريخ عريق، بما يدعم قدرته على مواصلة المنافسة وتعزيز مكانته في السوق، لتبدأ بعدها مرحلة جديدة في مسيرته
وفي مايو 2023 شهد البنك تحولاً نوعياً بتولي أحد أبناءه القيادة التنفيذية.. وهو تامر وحيد الذي يتمتع بخبرات متراكمة كبيرة وشبكة علاقات قوية للغاية، وكان لصعوده لمنصب نائب رئيس مجلس إدارة البنك والعضو المنتدب تأثيراً كبيراً في الأوساط المالية.. وعادة التساؤلات لتظهر؛ هل يستطيع تامر وحيد إيقاف هذا التدهور؟ هل مازال البنك قادراً على استعادة مكانته بين الكبار؟!
بدأت الإجابة من نقطة بسيطة في ظاهرها، لكنها شديدة الأهمية في عالم البنوك: الموارد، فلا يمكن لأي بنك أن يضاعف تمويلاته أو أصوله دون أن يمتلك موارد كافية.
ومن هنا جاءت الفلسفة التي بُنيت عليها خطة العودة؛ التوسع أولًا في قاعدة الموارد، ثم تحويل هذه الموارد إلى نمو حقيقي في حجم الأعمال والأصول.
ولأن الودائع هي المكون الرئيسي للموارد في عالم البنوك كان أمام «العربي الإفريقي» خيارين؛ إما خوض معركة طويلة الأجل لإعادة بناء الودائع من خلال قاعدة عملاء النخبة التي اشتهر بها تاريخيًا والتي اهتزت بشكل كبير خلال هذه الفترة، أو البحث عن فكرة مختلفة قادرة على اختصار الوقت!
اختار تامر وحيد ورفاقه الطريق الثاني، وفي صباح 26 يوليو 2023، استيقظ القطاع المصرفي المصري على منتج ادخاري غير مسبوق؛ شهادة لمدة ثلاث سنوات تمنح العميل عائدًا تراكميًا يبلغ 40% ويُصرف مقدمًا بالكامل!
لم تكن تلك الشهادة مجرد منتجاً جديداً أُضيف إلى السوق، بل كانت تغييرًا لقواعد المنافسة نفسها، ففي الوقت الذي كانت البنوك تتنافس على نسبة العائد السنوي، قدم البنك العربي الإفريقي للعميل شيئًا أكثر جاذبية؛ الحصول على عائد السنوات الثلاث دفعة واحدة، مع الاحتفاظ بأصل الشهادة حتى تاريخ الاستحقاق!
وسرعان ما تحولت الشهادة إلى واحدة من أكثر المنتجات الادخارية جذبًا للسيولة في السوق المصرية، لتتغير معها موازين المنافسة على المدخرات، ويصبح البنك أحد أبرز المستفيدين من موجة البحث عن العائد المرتفع خلال تلك الفترة.
وخلال أشهر قليلة بدأت النتائج تظهر وارتفعت ودائع البنك بأكثر من 134 مليار جنيه في 9 أشهر فقط، وقفزت المحفظة من 259.4 مليار جنيه بنهاية مارس 2023 إلى 393.7 مليار جنيه بنهاية 2023، محققة معدل نمو بلغ 51.8% خلال 9 أشهر فقط، وهو أعلى معدل نمو فصلي يحققه البنك خلال العقد الأخير.
ولم تقتصر آثار الشهادة الجديدة على تعزيز أرقام الودائع فحسب، بل بدت وكأنها أعادت رسم العلاقة بين البنك والمودعين، فمع نهاية 2023، كان البنك العربي الإفريقي الدولي قد تحول إلى أحد أبرز المقاصد للمدخرات في السوق المصرية، ليصعد إلى المركز الثاني على مؤشر «First Bank» لثقة المودعين، ويصبح ثاني أكثر البنوك جذبًا للودائع خلال العام، متفوقاً على بنك مصر لأول مرة في تاريخه!
لم تتوقف القصة عند هذا الحد، فبينما كان البنك يعمل على جذب مدخرات المصريين، كانت أصوله تنمو بوتيرة متسارعة مدفوعة بهذه السيولة الجديدة، فبعد 6 أشهر فقط من تولي تامر وحيد القيادة التنفيذية، عاد البنك إلى قائمة الخمسة الكبار من جديد، وكأن الغياب لم يدم طويلًا.
وبعد ستة أشهر أخرى فقط، لم يعد الهدف هو العودة إلى القائمة، بل التقدم داخلها، فنجح البنك في تجاوز منافسه بنك قطر الوطني «QNB» مصر ليصعد إلى المركز الرابع بين أكبر البنوك العاملة في مصر.

واستمرت رحلة صعود أصول البنك على مدار الفترة الماضية حتى تجاوزت حاجز التريليون جنيه للمرة الأولى في تاريخه بنهاية مارس 2026، مقارنة بنحو 390.33 مليار جنيه فقط بنهاية مارس 2023، في واحدة من أسرع فترات النمو التي شهدها البنك منذ تأسيسه.
ومع تراكم هذه النتائج عامًا بعد آخر، بدأت ملامح التحول تظهر بوضوح، فالبنك الذي وجد نفسه خارج قائمة الخمسة الكبار بنهاية 2022، نجح خلال فترة وجيزة في العودة إلى الصفوف الأولى، مدعومًا بقاعدة موارد أقوى وحجم أعمال أكبر وقدرة أعلى على المنافسة، كما عاد البنك من جديد ليكون عضواً بقائمة أكبر 50 بنك عربي، وحجز لنفسه مكاناً بين قائمة أكبر 10 مصارف في شمال افريقيا.
ولم يقتصر مشروع إعادة بناء البنك على تعزيز مركزه المالي، بل امتد أيضًا إلى تطوير بنيته التكنولوجية ونموذج تشغيله، إدراكًا بأن المنافسة في القطاع المصرفي لم تعد تُحسم بحجم الميزانيات وحده، وإنما أيضًا بقدرة البنوك على تقديم خدمات أسرع وأكثر كفاءة.
فوسّع البنك منظومة خدماته الرقمية، وأطلق خدمة Apple Pay، كما طرح منصة AAIB Business Online Banking الجديدة للشركات، التي أتاحت تنفيذ وإدارة مختلف المعاملات المصرفية إلكترونيًا، إلى جانب إطلاق خدمة الدفع اللاتلامسي عبر بطاقاته المصرفية.
وبالتوازي مع تطوير الخدمات المقدمة للعملاء، بدأ البنك خلال عام 2025 تنفيذ إعادة هيكلة واسعة لنموذج التشغيل التكنولوجي، أعقبها إطلاق واحد من أكبر مشروعات تحديث نظام البنوك الأساسية (Core Banking System) منذ سنوات، بعد نجاح نقل عملياته الخارجية إلى منصة مصرفية حديثة، في مشروع يُنتظر استكماله خلال عام 2026، بما يمهد لمرحلة جديدة من التطور الرقمي ورفع كفاءة التشغيل.
ولم يتوقف مسار التطوير عند التكنولوجيا، بل امتد أيضًا إلى ترسيخ مكانة البنك في مجال التمويل المستدام، ففي نوفمبر 2024 أصدر البنك أول سند استدامة في مصر بقيمة 500 مليون دولار، بالشراكة مع عدد من المؤسسات المالية الدولية، وفي مقدمتها مؤسسة التمويل الدولية التابعة للبنك الدولي، ليصبح أكبر إصدار من نوعه بين بنوك القطاع الخاص في قارة إفريقيا.
ولم يكتف البنك بإتمام الإصدار، بل عزز ريادته بإطلاق أول تقرير لتخصيص العوائد وقياس الأثر الخاص بالسند، في خطوة رسخت دوره كأحد أبرز البنوك الإقليمية في مجال التمويل المستدام، وأكدت انتقال الاستدامة من كونها مبادرة إلى أحد المحاور الرئيسية في استراتيجية البنك.
وبالتوازي مع ذلك، واصل البنك تعزيز انتشاره الجغرافي بما يتناسب مع توسع حجم أعماله، حيث ارتفع عدد فروعه إلى 103 فروع بنهاية مارس 2026، مقابل 100 فرع قبل ثلاث سنوات، منها 100 فرع داخل مصر، إلى جانب فرعين في الإمارات العربية المتحدة وفرع في لبنان، بما يعكس استمرار البنك في دعم حضوره داخل السوق المحلية، مع الحفاظ على امتداده الإقليمي الذي ميّزه منذ عقود.
ولم يمر هذا التحول دون تقدير من المؤسسات الدولية المتخصصة، حيث حصد البنك عددًا من أبرز الجوائز العالمية، من بينها جائزة أفضل سند استدامة من EMEA Finance، وأفضل بنك مستدام في مصر، وأفضل بنك استثماري في مصر لعام 2025 من International Banker.
كما نال جائزة 60 عامًا من التميز المصرفي ضمن جوائز Years of Excellence لعام 2025، قبل أن يتوج بجائزة أفضل بنك للتجزئة المصرفية في مصر ضمن MENA Banking Excellence Awards 2026، في انعكاس لما حققه البنك من تطور على المستويين التشغيلي والتنافسي، وليس فقط على صعيد النمو المالي.
وهكذا، وبعد أكثر من ستين عامًا على تأسيسه، أثبت البنك العربي الإفريقي الدولي أن مكانة المؤسسات المصرفية لا تُصان بتاريخها وحده، بل بقدرتها المستمرة على التكيف مع المتغيرات وصناعة موجات نمو جديدة.
وبينما بدا التراجع قبل سنوات وكأنه بداية لفقدان الزخم، كشفت السنوات الأخيرة عن حقيقة مختلفة؛ أن ما مر به البنك لم يكن سوى محطة مؤقتة في مسيرة مؤسسة اعتادت إعادة اكتشاف نفسها كلما تغيرت قواعد المنافسة.. وللقصة بقية….












