هل يحتاج القطاع المصرفي المصري إلى إعادة النظر في قواعد المنافسة بين البنوك على المدخرات؟!
أدهم محمد
أكبر بنكين حكوميين يستمران في طرح شهادات لا تقبل المنافسة!.. وحسابات «الكفاءة المالية» تقيد قدرة البنوك الخاصة على مجاراتها
«تركز السوق» و«سيطرة أكبر بنكين على 55٪ من ودائع القطاع» و«تحديات نمو البنوك الصغيرة».. أبرز آثار سياسة تسعير الشهادات البنكية حالياً
اعتاد القطاع المصرفي المصري العمل وفق قواعد واضحة للمنافسة، حيث تتسابق البنوك على جذب العملاء من خلال مستوى العوائد، جودة الخدمة، وتنوع المنتجات؛ لكن ماذا يحدث عندما يمتلك عدد محدود من البنوك قدرة استثنائية على جذب السيولة عبر تقديم عوائد تفوق مستويات السوق بفارق كبير؟
في يناير 2024، وبينما بلغ سعر الإيداع لدى البنك المركزي المصري 19.25%، طرح أكبر بنكين حكوميين شهادات ادخار بعائد وصل إلى 27%، أي قبل شهرين من قرار البنك المركزي لرفع أسعار الفائدة بمقدار 600 نقطة أساس في مارس من العام نفسه؛ هذا التحرك المبكر منح البنكين أفضلية استثنائية في سباق جذب السيولة، حيث نجحا في استقطاب تدفقات ضخمة من المدخرات قبل أن تتمكن بقية البنوك من إعادة تسعير أوعيتها الادخارية بما يتماشى مع المتغيرات النقدية الجديدة.
ولم يقتصر أثر هذه الشهادات على جذب مدخرات جديدة إلى الجهاز المصرفي، بل ساهمت أيضًا في إعادة توزيع السيولة داخل القطاع نفسه فخلال عام واحد فقط، جمع البنكان نحو 1.85 تريليون جنيه من هذه الشهادات، بالتزامن مع استحواذهما على ما يقرب من 55% من إجمالي ودائع القطاع المصرفي بالكامل، في دلالة واضحة على حجم النفوذ الذي تمتلكه المؤسسات الأكبر في توجيه حركة السيولة داخل السوق المصرفية.
ورغم أن هذه الخطوة دعمت جهود السياسة النقدية في امتصاص السيولة ومواجهة الضغوط التضخمية، فإنها تفتح الباب أمام تساؤل أكثر أهمية يتعلق بهيكل المنافسة داخل القطاع المصرفي: هل ما زالت جميع البنوك تمتلك فرصًا متكافئة للتنافس على الودائع، أم أن اتساع الفجوة في القدرة على تقديم العوائد المرتفعة أدى إلى تعزيز تركز السيولة لدى عدد محدود من اللاعبين الكبار على حساب البنوك الأصغر؟
ورغم أن رفع العائد على الودائع يعد أداة تنافسية مشروعة، فإن قدرة البنوك على استخدامها تختلف بصورة كبيرة، فالبنوك الخاصة مطالبة بالحفاظ على مستويات ربحية مناسبة تضمن تحقيق عوائد مجزية للمساهمين، كما تخضع لضغوط مرتبطة بكفاءة استخدام رأس المال والعائد على حقوق الملكية.
لذلك فإن رفع تكلفة الأموال إلى مستويات تفوق أسعار الفائدة الأساسية بفارق كبير قد يؤدي إلى ضغوط مباشرة على هوامش الربحية، ما يحد من قدرة العديد من البنوك، خصوصًا الصغيرة والمتوسطة، على الدخول في سباق مماثل على الودائع.
واستكمالًا للأمر، واصل أكبر بنكين حكوميين الاعتماد على سياسة العوائد الاستثنائية من خلال طرح شهادة بعائد يصل إلى 30%، وهو ما أبقى العائد المقدم للمودعين عند مستويات تفوق أسعار الفائدة السائدة في السوق؛ ونتيجة لذلك، استمر البنكان في الحفاظ على جاذبيتهما الاستثنائية للمودعين، لترسخ الشهادات مرتفعة العائد من حالة التركّز التي شهدها سوق الودائع خلال تلك الفترة.
ومن هذا المنطلق، يبرز تساؤل حول مدى تأثير هذا الوضع على هيكل المنافسة داخل القطاع المصرفي، فعندما تصبح القدرة على جذب الودائع مرتبطة بإمكانية تقديم عائد يفوق السوق بعدة نقاط مئوية، فإن الأفضلية قد تنتقل تدريجيًا إلى المؤسسات الأكثر قدرة على تحمل تكلفة الأموال المرتفعة، بغض النظر عن كفاءة التشغيل أو جودة إدارة الأصول.
ومع مرور الوقت، أدى هذا الوضع إلى زيادة الفجوة التنافسية داخل القطاع المصرفي؛ ولا تقتصر تداعيات هذا الوضع على البنوك نفسها، إذ تعتمد قدرة أي بنك على التوسع في الإقراض وتمويل الشركات والأفراد على حجم الودائع المتاحة لديها. وبالتالي فإن تركز جانب كبير من السيولة لدى عدد محدود من المؤسسات قد يؤدي إلى تقليص الدور الذي يمكن أن تلعبه البنوك الأصغر في تمويل النشاط الاقتصادي وتعزيز الشمول المالي.
ويبقى السؤال المطروح: هل ينبغي ترك تسعير الودائع بالكامل لقوى السوق، أم أن وجود لاعبين يمتلكون قدرة استثنائية على تقديم عوائد تفوق مستويات السوق يفرض الحاجة إلى إطار أكثر وضوحًا يضمن تحقيق أهداف السياسة النقدية دون الإخلال بمبادئ المنافسة العادلة داخل القطاع المصرفي؟
فالحفاظ على استقرار النظام المصرفي لا يرتبط فقط بقدرته على جذب السيولة وامتصاص الضغوط النقدية، بل أيضًا بوجود بيئة تنافسية متوازنة تسمح لجميع البنوك بالنمو وفق كفاءتها وقدرتها على الابتكار، بما يدعم تنوع مصادر التمويل ويعزز كفاءة تخصيص الموارد داخل الاقتصاد.










