أخطر ما يمكن أن يحدث في سوق الائتمان ليس أن يتعثر عميل في سداد تمويل حصل عليه وإنما أن يدخل إلى النظام من الأ

FirstBank فرست بنك موقع فرست بنك فيرست بنك first bank



«First Advice»: منح التمويلات بدون ضوابط وفرد مساحات للتزوير.. إلى متى ستظل «شركات التمويل» ثغرة في استقرار النظام المالي المصري؟!

FirstBank

أخطر ما يمكن أن يحدث في سوق الائتمان ليس أن يتعثر عميل في سداد تمويل حصل عليه، وإنما أن يدخل إلى النظام من الأساس تمويل لم يطلبه صاحبه، أو تمويل خرج عن الغرض الذي مُنح من أجله؛ وبين وقائع تسييل التمويلات، والتزوير وانتحال الشخصية، ثم إنشاء مديونيات بأسماء مئات العملاء دون علمهم، بدأت تظهر في سوق التمويل الاستهلاكي ثغرات لا تتعلق فقط بمخالفات شركات أو أخطاء عملاء، وإنما بسلامة دورة الائتمان نفسها.

وتكتسب هذه الوقائع وزنًا أكبر مع اتساع النشاط؛ فقد بلغت قيمة التمويل الاستهلاكي 96.3 مليار جنيه خلال 2025 مقابل 61.3 مليار جنيه في 2024، بنمو 57%؛ ومع هذا الحجم، فإن أي خلل في آليات منح التمويل أو التحقق من هوية العميل يمكن أن ينتقل من واقعة محدودة إلى مشكلة أوسع تمس جودة الائتمان، خصوصًا إذا تحول الخطأ من عملية واحدة إلى نمط قابل للتكرار.

وهنا لا يصبح السؤال فقط: هل تخضع شركات التمويل للرقابة؟ وإنما: هل تطورت أدوات الرقابة بالسرعة نفسها التي تطور بها النشاط وأساليب التحايل عليه؟ فالوقائع الأخيرة تكشف أن المخاطر أصبحت تظهر في أكثر من نقطة داخل دورة التمويل؛ من طريقة استخدام الأموال، إلى التحقق من هوية العميل، وصولًا إلى صحة المديونية التي تسجل عليه.

بدأت الثغرات من تسييل التمويل.. ثم امتدت إلى هوية العميل

رصدت الهيئة العامة للرقابة المالية خلال الفترة الأخيرة صفحات وجهات تروج لتسييل التمويل الإستهلاكي وتحويلها إلى نقد، واتخذت إجراءات لمواجهتها، كما ألزمت اتحاد التمويل الاستهلاكي بإعداد قاعدة بيانات للمتورطين في التسييل والاحتيال وحظر التعامل معهم.

ولم تتوقف المخالفات عند التسييل؛ إذ ناقشت الهيئة مع شركات القطاع خلال 2026 أنماطًا أخرى من الاحتيال، شملت التزوير وانتحال الشخصية والتسييل النقدي.

وتكشف هذه الوقائع مستويات مختلفة من الخطر؛ فالتسييل يفصل التمويل عن الغرض الذي مُنح من أجله، بينما يضرب التزوير وانتحال الشخصية سلامة المستندات وهوية صاحب الالتزام؛ وفي الحالتين لا تقتصر المشكلة على مخالفة شروط عقد، وإنما تمتد إلى قدرة الجهة الممولة على معرفة حقيقة العملية التي تمولها وحقيقة الشخص الذي تتحمل باسمه المخاطر.

فإذا تحول التمويل المخصص لشراء سلعة أو الحصول على خدمة إلى نقد، تضعف قدرة الجهة الممولة على معرفة الاستخدام الاقتصادي الحقيقي للأموال؛ وإذا دخلت بيانات مزورة أو هوية غير صحيحة إلى المنظومة، يصبح القرار الائتماني نفسه قائمًا على معلومات غير دقيقة.

لكن الخطر يصبح أكبر عندما لا تكون المشكلة في كيفية استخدام التمويل أو في هوية صاحبه، وإنما في إنشاء المديونية ذاتها باسم شخص لم يطلبها.

واقعة المدرسة.. مديونيات بمئات الملايين بأسماء أولياء الأمور

كشفت الهيئة عن واقعة مدرسة دولية في التجمع الأول، تضمنت حصول المدرسة على تمويلات بأسماء 619 من أولياء الأمور، من خلال 839 عقدًا، بإجمالي 319 مليون جنيه، دون علم أصحاب الأسماء.

وتضمنت الواقعة تقديم المدرسة طلبات التمويل بأسماء أولياء الأمور إلى شركة التمويل، بينما كانت المدرسة هي المستفيد من التمويلات، مع وجود ترتيبات تعاقدية جعلتها طرفًا في إجراءات العناية الواجبة والتعرف على هوية العملاء.

وتكشف هذه التفاصيل خللًا جوهريًا في آلية منح التمويل؛ فالمدرسة كانت المستفيد الفعلي من التمويلات، في حين سُجلت عقود التمويل والالتزامات المالية بأسماء أولياء الأمور، وهو ما يبرز أهمية أن تتأكد شركة التمويل بنفسها من أن الشخص الذي يُمنح التمويل باسمه هو صاحب الطلب والموافقة الفعلية عليه.

كما أن حجم الواقعة لا يسمح باعتبارها خطأً محدودًا؛ فـ619 ولي أمر و839 عقدًا و319 مليون جنيه تعني أن ثغرة واحدة في آلية المنح استطاعت إنتاج عدد كبير من الالتزامات.

ولم يتوقف أثر الواقعة عند خروج التمويلات إلى المدرسة، بل سُجلت المديونيات على أسماء أولياء الأمور وانعكست على سجلاتهم وتقييماتهم الائتمانية، قبل اتخاذ إجراءات لإلغاء هذه المديونيات وتصحيح آثارها لدى الشركة المصرية للاستعلام الائتماني «آي سكور».

وهنا تتجاوز المشكلة حدود العلاقة بين شركة التمويل والعميل؛ لأن المديونية غير الصحيحة لا تعني فقط التزامًا ماليًا لم يطلبه صاحبه، وإنما تعني أيضًا إدخال معلومة غير صحيحة إلى النظام الائتماني؛ وبما أن البيانات الائتمانية تدخل في تقييم العملاء وقرارات منح التمويل، فإن تصحيحها بعد اكتشاف الخطأ يعالج الأثر، لكنه لا يلغي خطورة وصول المعلومة الخاطئة إلى النظام من الأساس.

الرقابة تحركت.. لكن الاختبار الحقيقي هو منع المخالفة

تحركت الهيئة في مواجهة هذه الممارسات؛ فواجهت صفحات التسييل، وأعدت آليات وقواعد بيانات للمتورطين، وناقشت أنماط الاحتيال مع القطاع، وتدخلت في واقعة المدرسة لمعالجة آثار المديونيات وتشديد إجراءات التحقق.

لكن تتابع الوقائع يطرح سؤالًا أعمق من مجرد اكتشاف المخالفة: هل تكفي الرقابة بعد وقوع الضرر؟

التحرك ضد طرف متورط أو تصحيح سجل ائتماني يعالج واقعة حدثت بالفعل، بينما الرقابة الأكثر فاعلية هي التي تمنع وصول العملية غير الصحيحة إلى النظام من الأساس؛ لذلك يجب أن تكون مسؤولية شركة التمويل واضحة في إثبات أن صاحب الاسم هو نفسه صاحب الطلب والموافقة والالتزام، مع استخدام أدوات التحقق الرقمي ومطابقة البيانات ورصد العمليات غير الطبيعية قبل تحولها إلى مديونيات جماعية.

وهنا يتحول السؤال الرقابي من «من خالف؟» إلى «كيف استطاع أن يخالف؟»؛ لأن معرفة المخالف تعالج حالة، بينما اكتشاف الثغرة التي سمحت بالمخالفة يحد من تكرارها.

تكلفة التمويل ومسار الأموال.. اختبار آخر لجودة الائتمان

يفتح ارتفاع تكلفة التمويل ملفًا آخر؛ فهناك حديث عن معدلات تصل في بعض الحالات إلى 30% أو 40%؛ ولا يصح تقديم هذه الأرقام كسعر موحد للقطاع أو مساواتها تلقائيًا بأسعار البنك المركزي، لكن ارتفاع التكلفة يصبح أكثر حساسية عندما يقترن بضعف قدرة العميل على السداد أو بتعدد التزاماته.

لذلك لا تتعلق المشكلة بسعر الفائدة وحده، وإنما بـالتكلفة الفعلية الكاملة للتمويل ومدى وضوحها للعميل قبل التعاقد؛ فكلما ارتفعت تكلفة الاقتراض مقارنة بقدرة العميل على السداد، زادت الضغوط على دخله واحتمالات التعثر، وتحول أثر التسعير من مسألة تخص العميل إلى عامل يؤثر في جودة محفظة الائتمان نفسها.

ولا ينتهي اختبار سلامة التمويل بمجرد خروجه من الجهة الممولة؛ فمع وصول التمويلات الموجهة للمشروعات الصغيرة والمتوسطة ومتناهية الصغر إلى 106.9 مليار جنيه بنهاية 2025، يصبح تتبع استخدام الأموال جزءًا من حماية جودة الائتمان نفسها: من حصل على التمويل، وما الغرض الذي مُنح من أجله، وهل استخدم بالفعل في النشاط المستهدف؟.

وهنا تلتقي هذه الملفات؛ فسلامة الائتمان لا تتعلق بخروج الأموال فقط، وإنما بهوية المستفيد، وغرض التمويل، وتكلفته، واستخدامه، وصحة البيانات المسجلة عنه.

هل تحتاج المنظومة إلى إعادة النظر في قواعد منح التمويل؟

لا تعني هذه الوقائع أن شركات التمويل الاستهلاكي تمثل خطرًا في حد ذاتها؛ فالقطاع أصبح جزءًا مهمًا من منظومة الائتمان، ويمول التعليم والصحة والسلع والخدمات وغيرها؛ لكن اتساع النشاط يجعل تطوير قواعده ضرورة، لأن المخاطر التي ظهرت لم تعد محصورة في التعثر التقليدي.

فالوقائع ترسم مسارًا متصلًا: التسييل يغير غرض التمويل، والتزوير وانتحال الشخصية يهددان هوية العميل وسلامة البيانات، وواقعة المدرسة تكشف إمكانية تحميل أشخاص بمديونيات لم يطلبوها، ثم يمتد أثر الخلل إلى السجل الائتماني؛ ومع ارتفاع تكلفة التمويل أو عدم وضوح استخدام الأموال، تتسع دائرة المخاطر من علاقة تعاقدية بين شركة وعميل إلى جودة الائتمان داخل النظام ككل.

ومن هنا، فإن مراجعة الإطار المنظم للنشاط لا ينبغي أن تستهدف تقليص التمويل، وإنما سد الثغرات داخل دورة المنح نفسها؛ عبر فصل المستفيد عن صاحب الالتزام، وتحميل شركة التمويل مسؤولية مستقلة عن التحقق من الهوية والموافقة، وتشديد الرقابة على مقدمي الخدمات، وتحليل الأنماط غير الطبيعية، وضمان وضوح التكلفة الكاملة، وتتبع استخدام الأموال عندما يكون التمويل مرتبطًا بغرض محدد.

فالمشكلة الحقيقية ليست أن شركات التمويل تعمل تحت إشراف هيئة الرقابة المالية، وإنما أن بعض الوقائع أظهرت أن الخلل يمكن أن يصل إلى العميل وإلى سجله الائتماني قبل أن يصل إلى الرقابة.

وبالتالي، فإن السؤال لم يعد ما إذا كان القطاع يحتاج إلى رقابة، وإنما ما إذا كانت قواعد الرقابة الحالية قادرة على منع إنشاء تمويل غير صحيح قبل أن يتحول إلى مديونية، ثم إلى معلومة ائتمانية، ثم إلى خطر أوسع على جودة الائتمان؛ وإذا كانت بعض الوقائع قد أثبتت إمكانية تجاوز هذه الحلقات، فإن إعادة النظر في قواعد منح التمويل وآليات التحقق والرقابة الوقائية تصبح ضرورة لحماية توسع القطاع نفسه، وليس عائقًا أمامه.