أخضر: «الفقاعة الخضراء».. هل يغرق النظام المالي العالمي في بحر من الأصول «الورقية»؟
تعد الاستثمارات المستدامة من أبزر المجالات الجاذبة للاستثمارات خلال السنوات الاخيرة، حيث نرى تدفق تريليونات الدولارات في هذا المجال، لكن هناك فقاعة تنمو في الخفاء دون جذب اي اهتمام وهي «الفقاعة الخضراء»، فمع قدوم عام 2026 نجد الاستدامة لم تعد تحتاج الى استثمارات في مجال الاستدامة بل اصبح الزامًا على العالم كله للاستثمار في هذا المجال.
ولكن الخوف يكمن في وجود هذه الفقاعه دون اخذ الاحتياطات الأزمة او العمل على تقليصها، لن يتوقف أثر هذه الفقاعة على الاستثمارات المناخيه فقط بل إنها ستتسبب في اضطراب كبير في الاقتصاد العالمي، وفي ظل عدم الاستقرار السياسي والتنافس الاقتصادي لن يكون العالم مستعدًا لتحمل تبعات هذا الانفجار، مما يعيد للأذهان سيناريوهات مشابهه لازمة 2008 ومدى تاثيرها العالمي.
ويمكن تعريف الفقاعة الخضراء على أنها فقاعة تحدث عندما تندفع البنوك والمستثمرون لضخ أموال ضخمة في شركات الطاقة المتجددة مثل الهيدروجين والرياح بناءً على الحماس فقط، مما يؤدي لرفع أسعار أسهمها بشكل بشكل مبالغ يفوق قيمتها الحقيقية.
ويكمن جوهر الإشكالية في الانفصال الكامل بين التقييمات الفلكية لشركات الطاقة النظيفة وبين واقعها الإنتاجي والربحي، لقد تم ضخ مبالغ ضخمة في تقنيات مثل الهيدروجين الأخضر والوقود الحيوي المتقدم، والتي لا تزال في أطوارها التجريبية، ويأتي ذلك بناءً على افتراضات متفائلة تتجاهل تعقيدات عملية التطوير وقوانين السوق، مما حول الاستثمار الأخضر من أداة للتغيير إلى مقامرة مالية كبرى.
تكمن الخطورة الحقيقية للفقاعة الخضراء في تغلغلها داخل الهيكلية للنظام المالي، فالبنوك الكبرى وصناديق التقاعد العالمية، وتحت ضغط القواعد التنظيمية الصارمة مثل معايير ESG، حيث قامت بإعادة توجيه محافظها الاستثمارية بشكل مكثف نحو الأصول الخضراء، ومع تضخم أسعار هذه الأصول بشكل غير منطقي، أصبح النظام المالي العالمي يقف على أرضية مهتزة؛ فإذا انفجرت هذه الفقاعة، لن تنهار بضع شركات ناشئة فحسب، بل ستواجه المؤسسات المالية الكبرى أزمة أصول عالقة لا تجد من يشتريها، مما قد يؤدي إلى جفاف مفاجئ في السيولة العالمية.
ويشبه المحللون هذا الوضع برهانات الرهن العقاري التي تسببت في أزمة 2008؛ حيث تم تغليف مخاطر عالية في غلاف أخضر جذاب، وعندما تصطدم هذه التقييمات المبالغ فيها بحقيقة ارتفاع أسعار الفائدة وتكاليف المواد الخام، فإننا قد نشهد لحظة الانهيار المفاجئ لقيم الأصول، مما يجر خلفه بنوكاً وشركات تعتمد ميزانياتها على نمو وهمي في قطاعات الاستدامة.
وبنفس المنطق ظهرت «ائتمانات الكربون» والتي تعد نسخة حديثة من «صكوك الغفران»، تحولت الأسهم الخضراء إلى وسيلة لتجميل الميزانيات، فالشركات الكبرى لم تعد تسعى لخفض انبعاثاتها من خلال تغيير جذري في تكنولوجيتها، بل عبر شراء أسهم في شركات خضراء لتبدو ميزانياتها "محايدة كربونياً" أمام المستثمرين.
هذا الحياد خلق طلباً مصطنعاً رفع الأسعار إلى مستويات قيادية، دون أن يقابله خفض حقيقي واحد في انبعاثات الكربون المنبعثة من مداخن المصانع، وهذا التزييف يضع المستثمرين أمام مخاطر قانونية وتنظيمية هائلة، ويمكن ان يهدد استقرار النظام المالي العالمي؛ فالعالم بدأ يدرك أن الأرقام الخضراء في الدفاتر لا تعني بالضرورة هواءً أنظف في الواقع.
ومع تشديد الرقابة الدولية المتوقع في 2026، قد نجد أن الكثير من هذه الاستثمارات لم تكن سوى غسيل أخضر منظم، مما سيؤدي إلى موجة من القضايا القانونية التي ستضرب سمعة وملاءة كبرى المؤسسات المالية.
ولن يكون انفجار الفقاعة الخضراء عادلاً في توزيعه للتبعات كما هو الحال دائماً،. فالأسواق الناشئة، التي تم إغراؤها بالتمويل الأخضر كبديل للاستثمارات التقليدية، قد تجد نفسها فجأة أمام هروب جماعي لرؤوس الأموال إذا ما حدث الانهيار في الأسواق المتقدمة، إلى جانب فقدان الاستثمارات الخضراء هذه قيمتها مما يضرب باقتصادها.
وفي جانب التمويل الأخضر نجد ان الاعتماد على الديون الخضراء المتقلبة يجعل اقتصاديات هذه الدول رهينة لمزاج المستثمرين في لندن ونيويورك، الذين قد يسحبون تمويلهم عند أول بادرة خطر، تاركين خلفهم مشاريع غير مكتملة وديوناً سيادية يصعب سدادها.
إن الدرس القاسي الذي يحاول الخبراء توضيحه؛ هو أن إنقاذ الكوكب لا يمكن أن يتم عبر المضاربات المالية أو الاختباء خلف تقييمات ورقية لا أثر لها على أرض الواقع، فالتحول الحقيقي يتطلب استثمارات طويلة الأمد في البنية التحتية، وخفضاً واقعياً للانبعاثات من المنبع، بعيداً عن صخب البورصات والشعارات المضللة.
إن النظام المالي العالمي يحتاج اليوم، أكثر من أي وقت مضى، إلى العودة لقواعد المنطق الاقتصادي؛ فالأكسجين الذي نتنفسه لا يمكن مقايضته بأسهم وهمية، والاستقرار المالي العالمي أغلى من أن يرهن لفقاعة خضراء قد تنفجر في أي وقت، مخلفةً دماراً اقتصادياً يفوق في آثاره ما تحاول إصلاحه.










