«First Advice»: أصول محدودة وأرباح قياسية.. «سيتي بنك» يقدم نموذج أعمال مختلف في السوق المصري و«الاستمرارية» التحدي الأبرز
First Bank
تكشف نتائج أعمال سيتي بنك – مصر لعام 2025 عن تحول جوهري في طبيعة نموذج أعمال البنك؛ فعلي الرغم من تراجع صافي أرباحه بنسبة 24.7%، إلا أن البنك نجح في الحفاظ على مستويات ربحية مرتفعة مقارنة بحجمه داخل السوق المصرفية، حيث يحتل المركز الـ30 بين البنوك العاملة في السوق المصرية من أصل 35 بنكًا، ومع ذلك تمكن من تحقيق أرباح تنافس مؤسسات مصرفية تمتلك أصولًا ومحافظ أعمال أكبر منه بعدة مرات.
وتكشف قراءة نتائج أعمال البنك خلال العام الماضي، عن أن أهمية الأداء لا ترتبط بحجم الأرباح فقط، بل بطبيعة المحركات التي ساهمت في تحقيقها؛ حيث جاءت الربحية في ظل تراجع واضح للنشاط الائتماني، وانخفاض ودائع العملاء، وارتفاع تكلفة الأموال، إلى جانب زيادة كبيرة في معدل القروض غير المنتظمة.
ورغم هذه الضغوط، نجح البنك في تعويض جزء كبير من تراجع النشاط التقليدي عبر إعادة توظيف السيولة المتاحة في أدوات الدين الحكومية ذات العائد المرتفع، وهو ما أدى إلى تحول واضح في مصادر الدخل من نموذج يعتمد على التوسع الائتماني إلى نموذج يرتكز بدرجة أكبر على إدارة السيولة والاستفادة من مستويات الفائدة المرتفعة.
لكن هذا التحول، رغم دعمه للربحية خلال 2025، يفتح تساؤلات حول مدى استدامته مستقبلًا.
الأرباح تتراجع.. لكنها تظل عند مستويات مرتفعة
سجل سيتي بنك – مصر صافي أرباح بلغ 9.80 مليارات جنيه خلال عام 2025، مقابل 13.02 مليار جنيه خلال عام 2024، بانخفاض سنوي قدره 24.7%.
ورغم التراجع، فإن البنك حافظ على تواجده على قائمة أكثر 10 بنوك خاصة تحقيقًا للأرباح في السوق المصرية خلال 2025، وهو ما يعكس قدرة نموذج أعماله على توليد عوائد مرتفعة رغم انخفاض حجم النشاط المصرفي التقليدي.
انكماش القروض يعيد تشكيل هيكل الربحية
كان التحول الأبرز في نتائج 2025 هو الانخفاض الحاد في حجم النشاط الائتماني، حيث تراجعت محفظة القروض بنسبة 52.6% خلال العام الماضي، لتسجل 6.67 مليارات جنيه بنهاية 2025، مقابل 14.07 مليار جنيه بنهاية 2024.
كما انخفضت ودائع العملاء لكن بوتيرة أقل بكثير، حيث تراجعت بنسبة أقل بلغت 8.5% خلال العام الماضي، لتصل إلى 66.31 مليار جنيه بنهاية 2025، مقابل 72.51 مليار جنيه بنهاية 2024.
ويعكس هذا التباين اتساع الفجوة بين تراجع القروض والودائع، بما يشير إلى أن جزءًا كبيرًا من السيولة المتاحة لم يتم توجيهه إلى الإقراض، وإنما أعيد توظيفه في أدوات استثمارية ذات عائد مرتفع، وهو ما غيّر شكل مصادر الدخل خلال العام الماضي.
أذون الخزانة تتحول إلى المحرك الرئيسي للعوائد
انخفض صافي الدخل من العائد إلى 13.34 مليار جنيه خلال عام 2025، مقابل 15.45 مليار جنيه خلال عام 2024، بتراجع نسبته 13.6%.
ورغم ارتفاع إيرادات القروض والإيرادات المشابهة إلى 18.89 مليار جنيه خلال 2025، مقابل 17.74 مليار جنيه خلال 2024، فإن تحليل مكونات هذه الإيرادات يكشف تحولًا جوهريًا في مصادر تحقيقها.
حيث ارتفع العائد من أذون الخزانة إلى 15.70 مليار جنيه خلال 2025، مقابل 10.43 مليار جنيه خلال 2024، بنمو 50.4%، ليستحوذ على نحو 83% من إجمالي عوائد القروض والإيرادات المشابهة.
كما ارتفع عائد قروض العملاء إلى 2.13 مليار جنيه، مقابل 1.49 مليار جنيه خلال نفس الفترة من 2024، بزيادة 42.9% على أساس سنوي.
في المقابل، تراجع عائد القروض للبنوك إلى 189.85 مليون جنيه خلال 2025، مقابل 287.09 مليون جنيه خلال 2024، بانخفاض 33.9% على أساس سنوي.
كما انخفض عائد الودائع والحسابات الجارية بصورة حادة إلى 866.94 مليون جنيه خلال 2025، مقابل 5.53 مليارات جنيه خلال 2024.
وتوضح هذه الأرقام أن الجزء الأكبر من قوة الأرباح خلال العام جاء من توظيف السيولة في أدوات الدين الحكومية، وليس من توسع النشاط الائتماني، وهو ما يفسر قدرة البنك على الحفاظ على مستويات ربحية قوية رغم تراجع حجم القروض.
ارتفاع تكلفة الأموال يضغط على المكاسب
رغم استفادة البنك من ارتفاع عوائد أدوات الدين، فإن زيادة تكلفة الأموال حدّت من التأثير الإيجابي لهذه التوظيفات.
فقد ارتفعت تكلفة الودائع والتكاليف المشابهة إلى 5.55 مليارات جنيه خلال 2025، مقابل 2.30 مليار جنيه خلال 2024، بنمو 141.4% على أساس سنوي.
وجاءت الزيادة الرئيسية من ارتفاع تكلفة ودائع وحسابات البنوك إلى 3.92 مليارات جنيه خلال 2025، مقابل 564.06 مليون جنيه خلال 2024، بزيادة 594.5% على أساس سنوي.
وفي المقابل، تراجعت تكلفة ودائع العملاء بنحو 6% خلال العام الماضي، لتصل إلى 1.63 مليار جنيه خلال 2025، بالتزامن مع انخفاض حجم ودائع العملاء.
ويعكس ذلك أن الارتفاع القوي في تكلفة التمويل قد حد من الاستفادة الكاملة من نمو العوائد، وانعكس ذلك سلبًا على صافي الدخل من العائد.
ضغوط تشغيلية ترفع تكلفة النموذج
لم تقتصر الضغوط على تكلفة الأموال فقط، بل امتدت إلى المصروفات التشغيلية، التي ارتفعت بنسبة 49.7% خلال العام الماضي، لتصل إلى 3.39 مليارات جنيه خلال 2025، مقابل 2.27 مليار جنيه خلال 2024.
وجاء الجزء الأكبر من الزيادة نتيجة ارتفاع مصروفات المركز الرئيسي بنسبة 144.2% لتبلغ 1.35 مليار جنيه خلال 2025.
في المقابل، شهد بند المصروفات التشغيلية الأخرى تحسنًا ملحوظًا، حيث تحول من مصروفات بقيمة 416.51 مليون جنيه في 2024 إلى إيرادات تشغيلية أخرى بقيمة 72.58 مليون جنيه خلال 2025، بدعم من تحول بند المخصصات الأخرى من عبء بلغ 215.65 مليون جنيه إلى رد مخصصات بقيمة 305.25 ملايين جنيه.
جودة الأصول.. التحدي الأكبر أمام البنك
في الوقت الذي دعمت فيه أدوات الدين الحكومية ربحية البنك، كشفت مؤشرات جودة الأصول عن تحدٍ رئيسي خلال العام الماضي.
فقد ارتفع معدل القروض غير المنتظمة إلى 22.02% بنهاية 2025 مقابل 1.29% بنهاية 2024، وهي زيادة كبيرة تعكس ارتفاع الضغوط على جودة المحفظة الائتمانية.
وهو ما تسبب في رفع عبء الخسائر الائتمانية المتوقعة بنسبة 235.4% خلال العام الماضي، ليصل إلى 95.99 مليون جنيه خلال 2025، مقابل 28.62 مليون جنيه خلال 2024.
ورغم أن صغر حجم المحفظة الائتمانية يجعل تأثير أي حالات تعثر أكثر وضوحًا، إلا أن القفزة الكبيرة في معدل التعثر تظل مؤشرًا مهمًا، خاصة إذا كان البنك يستهدف العودة إلى النمو الائتماني خلال الفترة المقبلة.
المستقبل.. اختبار حقيقي لاستدامة الربحية
نجح سيتي بنك – مصر خلال 2025 في إدارة بيئة تشغيلية معقدة، مستفيدًا من ارتفاع مستويات السيولة المتاحة وقدرته على إعادة توظيفها في أدوات الدين الحكومية، وهو ما ساعده على الحفاظ على ربحية قوية رغم التراجع الحاد في محفظة القروض وارتفاع تكلفة الأموال.
غير أن نتائج العام الماضي تكشف في الوقت ذاته عن جملة من التحديات الهيكلية التي ستحدد ملامح المرحلة المقبلة؛ في مقدمتها القفزة الكبيرة في معدل القروض غير المنتظمة، والتراجع الحاد في النشاط الائتماني، فضلًا عن بدء دورة خفض أسعار الفائدة بمقدار 725 نقطة أساس خلال العام ذاته.
وتبقى قدرة البنك على تحقيق توازن مستدام بين إدارة السيولة وتنمية النشاط الائتماني وتحسين جودة الأصول هي المحدد الرئيسي لمسار ربحيته خلال المرحلة القادمة.











