قاموس «First».. ماذا تعرف عن فجوة الانتقال النقدي؟
تمثل فجوة الانتقال النقدي، أو ما يُعرف بتأخر آلية انتقال السياسة النقدية، المسافة الزمنية والفارق الكمي بين إعلان البنك المركزي عن تعديل أسعار الفائدة وبين تحقق الأثر الفعلي لهذه القرارات على الاقتصاد الحقيقي.
ولا تُعد هذه الفجوة مجرد تأخير إجرائي، بل تعكس طبيعة معقدة لانتقال السياسة النقدية عبر قنوات متعددة ومتداخلة، تبدأ بأسعار الفائدة في السوق المصرفي، ثم تمر بحجم الائتمان المتاح، وسلوك الاستثمار والاستهلاك، وصولًا إلى الطلب الكلي، النمو الاقتصادي، والتضخم.
وقد أشار ميلتون فريدمان إلى أن هذه الآثار تكون «طويلة ومتغيرة»، ما يجعل توقيت القرار النقدي عنصرًا حاسمًا، إذ إن التدخل المبكر أو المتأخر قد يؤدي إلى نتائج عكسية، سواء بتقييد النشاط الاقتصادي أكثر من اللازم أو بالفشل في احتواء الضغوط التضخمية في الوقت المناسب.
تنشأ فجوة الانتقال النقدي نتيجة تفاعل مجموعة من العوامل الهيكلية والسلوكية داخل الاقتصاد.
في البداية، لا تستجيب الأسواق المالية والبنوك فورًا لقرارات البنك المركزي، إذ تحتاج المؤسسات المصرفية إلى وقت لإعادة تسعير القروض والودائع وفقًا لهيكل المنافسة والسيولة المتاحة.
يلي ذلك تأخر استجابة القطاع الحقيقي، حيث لا تُعدل الشركات والأفراد قراراتهم الاستثمارية والاستهلاكية بشكل فوري، بل بعد إعادة تقييم التوقعات المستقبلية للأسعار والدخل والاستقرار الاقتصادي.
كما تختلف سرعة الانتقال باختلاف القنوات؛ فقناة سعر الفائدة التقليدية تكون أكثر فاعلية في الاقتصادات المتقدمة، بينما تلعب قنوات الائتمان وسعر الصرف دورًا أكبر في الاقتصادات الناشئة.
وتزداد الفجوة اتساعًا مع ضعف الشمول المالي، أو انخفاض الثقة، أو هيمنة التوقعات التضخمية، وهو ما يفسر امتداد الأثر الكامل للسياسة النقدية عادة بين 6 و24 شهرًا على النمو الاقتصادي، وقد يصل إلى 36 شهرًا عند قياس التأثير على التضخم.
تبرز فجوة الانتقال النقدي في الحالة المصرية بصورة أوضح بسبب خصائص هيكلية مثل جزئية الدولرة، وضعف حساسية الاستثمار لتغيرات أسعار الفائدة، والتداخل بين السياسات النقدية والمالية، فعلى الرغم من الرفع الحاد لأسعار الفائدة خلال الفترة من 2022 إلى 2024 لمواجهة موجة تضخمية غير مسبوقة، لم يظهر الأثر الكامل لهذه الإجراءات إلا تدريجيًا لاحقًا، مع تراجع التضخم وتحسن مؤشرات النمو في 2025. ويعكس هذا التأخر طبيعة الاقتصاد المصري، حيث يستغرق ضغط تكلفة الاقتراض على الطلب الكلي وقتًا أطول، خاصة في ظل صدمات خارجية مثل التوترات الجيوسياسية واضطراب إيرادات النقد الأجنبي.
ومع بدء دورة التيسير النقدي، يُتوقع أن يستمر تأثير خفض الفائدة على الاستثمار والنمو الحقيقي على مدى زمني ممتد، ما يجعل فجوة الانتقال النقدي عنصرًا حاسمًا يجب أخذه في الاعتبار عند تقييم فعالية السياسة النقدية وتحقيق الاستقرار الاقتصادي المستدام.











